19.51
اعلم أن في قوله " مخلصا " قراءتين سبعيتين قرأه عاصم وحمزة والكسائي بفتح اللام بصيغة اسم المفعول، والمعنى على هذه القراءة أن الله استخلصه واصطفاه ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى
قال يموسى إني اصطفيتك على الناس برسلتي وبكلمي
الأعراف 144 الآية. ومما يماثل هذه القراءة في القرآن قوله تعالى
إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار
ص 46 فالذين أخلصهم الله هم المخلصون بفتح اللام، وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر " مخلصا " بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل. كقوله تعالى
ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
البينة 5، وقوله تعالى
قل الله أعبد مخلصا له ديني
الزمر 14 الآية.
19.52
قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة يقول تعالى ذكره ونادينا موسى من ناحية الجبل. ويعني بالأيمن يمين موسى. لأن الجبل لا يمين له ولا شمال، وإنما ذلك كما يقال قام عن يمين القبلة وعن شمالها، وهذه القصة جاءت مبينة في مواضع متعددة من كتاب الله تعالى. وذلك أن موسى لما قضى الأجل الذي بينه وبين صهره، وسار بأهله راجعا من مدين إلى مصر آنس من جانب الطور نارا، فذهب إلى تلك النار ليجد عندها من يدله على الطريق، وليأتي بجذوة منها ليوقد بها النار لأهله ليصطلوا بها. فناداه الله وأرسله إلى فرعون، وشفعه في أخيه هارون فأرسله معه، وأراه في ذلك الوقت معجزة العصا واليد ليستأنس بذلك قبل حضوره عند فرعون. لأنه لما رأى العصا في المرة الأولى صارت ثعبانا ولى مدبرا ولم يعقب. فلو فعل ذلك عندما انقلبت ثعبانا لما طالبه فرعون وقومه بآية لكان غير ذلك لائق، ولأجل هذا مرن عليها في أول مرة ليكون مستأنسا غير خائف منها حين تصير ثعبانا مبينا قال تعالى في سورة " طه "
وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فلمآ أتاها نودي يموسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري
طه 9-14، وقوله ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ هو معنى قوله في " طه " ﴿ فلمآ أتاها نودي يموسى إني أنا ربك ﴾. وقوله ﴿ بقبس ﴾ أي شهاب. بدليل قوله في " النمل "
أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون
النمل 7 وذلك هو المراد بالجذوة في قوله
أو جذوة من النار
القصص29، وقوله
أو أجد على النار هدى
طه 10 أي من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها. لأنهم كانوا ضلوا الطريق، والزمن زمن برد، وقوله
آنست نارا
طه 10 أي أبصرتها. وقوله
فاخلع نعليك
طه 12 قال بعض العلماء لأنهما كانتا من جلد حمار غير ذكي، ويروى هذا عن كعب وعكرمة وقتادة، نقله عنهم القرطبي وغيره. وروي أيضا عن علي والحسن والزهري كما رواه عنهم صاحب الدر المنثور، ونقله ابن كثير عن علي وأبي أيوب وغير واحد من السلف. ويروى هذا القول عن غير من ذكر. وجاء فيه حديث مرفوع من حديث عبد الله بن مسعود رواه الترمذي وغيره ولا يصح. وفيه أقوال أخر للعلماء غير ذلك. وأظهرها عندي والله تعالى أعلم أن الله امره بخلع نعليه أي نزعهما من قدميه ليعلمه التواضع لربه حين ناداه، فإن نداء الله لعبده أمر عظيم، يستوجب من العبد كمال التواضع والخضوع.
والله تعالى أعلم. وقول من قال إنه أمر بخلعهما احتراما للبقعة يدل له أنه أتبع أمره بخلعهما بقوله
إنك بالواد المقدس طوى
طه 12 وقد تقرر في مسك الإيماء والتنبيه أن " إن " من حروف التعليل. وأظهر الأقوال في قوله " طوى " أنه اسم للوادي، فهو بدل من الوادي أو عطف بيان. وفيه أقوال أخر غير ذلك. وقوله
وأنا اخترتك
طه 13 أي اصطفيتك برسالتي، كقوله
إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي