تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19.59-60

الضمير في قوله " من بعدهم " راجع إلى النبيين المذكورين في قوله تعالى

أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح

مريم 58 الآية. أي فخلف من بعد أولئك النبيين خلف، أي أولاد سوء. قال القرطبي رحمه الله في تفسير سورة " الأعراف " قال أبو حاتم الخلف بسكون اللام - الأولاد،الواحد والجمع فيه سواء. والخلف - بفتح اللام - البدل ولدا كان أو غريبا. وقال ابن الأعرابي الخلف - بالفتح - الصالح. وبالسكون الطالح. قال لبيد

ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب

ومنه قيل للرديء من الكلام خلف. ومنه المثل السائر " سكت ألفا ونطق خلفا ". فخلف في الذم بالإسكان، وخلف بالفتح في المدح. هذا هو المستعمل المشهور. قال صلى الله عليه وسلم

" يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له "

وقد يستعمل كل و كل واحد منهما موضع الآخر. قال حسان بن ثابت رضي الله عنه

لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع

وقال آخر

إنا وجدنا خلفا بئس الخلف أغلق عنا بابه ثم حلف لا يدخل البواب إلا من عرف عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف

ويروى خضف، أي ردم - انتهى منه. والردم الضراط. ومعنى الآية الكريمة أن هذا الخلف السيء الذي خلف من بعد أولئك النبيين الكرام كان من صفاتهم القبيحة أنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات. واختلف أهل العلم في المراد بإضاعتهم الصلاة، فقال بعضهم المراد بإضاعتها تأخيرها عن وقتها. وممن يروى عنه هذا القول ابن مسعود، والنخعي، والقاسم بن مخيمرة، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية إن هذا القول هو الصحيح. وقال بعضهم إضاعتها الإخلال بشروطها، وممن اختار هذا القول الزجاج، وقال بعضهم المراد بإضاعتها جحد وجوبها. ويروى هذا القول وما قبله عن محمد بن كعب القرظي، وقيل إضاعتها في غير الجماعات. وقيل إضاعتها تعطيل المساجد، والاشتغال بالصنائع والأسباب. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له وكل هذه الأقوال تدخل في الآية. لأن تأخيرها عن وقتها، وعدم إقامتها في الجماعة، والإخلال بشروطها، وجحد وجوبها، وتعطيل المساجد منها - كل ذلك إضاعة لها، وإن كانت أنواع الإضاعة تتفاوت، واختلف العلماء أيضا في الخلف المذكورين من هم؟ فقيل هم اليهود. ويروى عن ابن عباس ومقاتل. وقيل هم اليهود والنصارى، ويروى عن السدي. وقيل هم قوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يأتون عند ذهاب الصالحين منها، يركب بعضهم بعضا في الأزقة زنى. ويروى عن مجاهد وعطاء وقتادة ومحمد بن كعب القرظي.

وقيل إنهم البربر، وقيل إنهم أهل الغرب. وفيهم أقوال أخر. قال مقيدة عفا الله عنه وكونهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليس بوجيه عندي. لأن قوله تعالى ﴿ فخلف من بعدهم ﴾ صيغة تدل على الوقوع في الزمن الماضي، ولا يمكن صرفها إلى المستقبل إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما ترى. والظاهر أنهم اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين خلفوا أنبياءهم وصالحيهم قبل نزول الآية، فأضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وعلى كل حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات يدخلون في الذم والوعيد المذكور في هذه الآية، واتباع الشهوات المذكور في الآية عام في اتباع كل مشتهى يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، وعن علي رضي الله عنه من بنى المشيد، وركب المنظور، ولبس المشهور - فهو ممن اتبع الشهوات. وقوله تعالى ﴿ فسوف يلقون غيا ﴾. اعلم أولا أن العرب تطلق الغي على كل شر. والرشاد على كل خير. قال المرقش الأصغر

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما

فقوله " ومن يغو " يعني ومن يقع في شر. والإطلاق المشهور هو أن الغي الضلال. وفي المراد بقوله " غيا " في الآية أقوال متقاربة، منها - أن الكلام على حذف مضاف، أي فسوف يلقون جزاء غي، ولا شك أنهم سيلقون جزاء ضلالهم. وممن قال بهذا القول الزجاج. ونظير هذا التفسير قوله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٩٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٩٠٩