تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19.17

قوله تعالى ﴿ فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنآ إليهآ روحنا ﴾. أظهر الأقوال أن المراد بقوله " روحنا " جبريل. ويدل لذلك قوله

نزل به الروح الأمين

الشعراء 193 الآية، وقوله

قل نزله روح القدس من ربك بالحق

النحل 102 الآية، وإضافته إلى الله إضافة تشريف وتكريم. قوله تعالى ﴿ فتمثل لها بشرا سويا ﴾. تمثله لها بشرا سويا المذكور في الآية يدل على أنه ملك وليس بآدمي. وهذا المدلول صرح به تعالى في قوله

إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم

آل عمران 45 الآية. وهذا الذي بشرها به هو الذي قال لها هنا

قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا

مريم 19. وقوله ﴿ بشرا سويا ﴾ حالان من ضمير الفاعل في قوله " تمثل لها ".

19.19

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن ذلك الروح الذي هو جبريل قال لها إنه رسول ربها ليهب لها، أي ليعطيها غلاما أي ولدا زكيا، أي طاهرا من الذنوب والمعاصي، كثير البركات. وبين في غير هذا الموضع كثيرا من صفات هذا الغلام الموهوب لها، وهو عيسى عليه وعلى نبيا الصلاة والسلام، كقوله

إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين

آل عمران 45-46 وقوله

ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم

آل عمران 48-49 الآية، إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على صفات هذا الغلام. وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وورش عن نافع وقالون عنه أيضا بخلف عنه " ليهب " بالياء المفتوحة بعد اللام أي ليهب لك هو، أي ربك غلاما زكيا. وقرأ الباقون " لأهب " بهمزة المتكلم أي لأهب لك هو أنا أيها الرسول من ربك غلاما زكيا. وفي معنى إسناده الهبة إلى نفسه على قراءة الجمهور خلاف معروف بين العلماء. وأظهر الأقوال في ذلك عندي - أن المراد بقول جبريل لها ﴿ قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ﴾ أي لأكون سببا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع الذي وصل إلى الفرج، فصار بسببه حملها عيسى. وبين تعالى في سورة " التحريم " أن هذا النفخ في فرجها في قوله تعالى

ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا

التحريم 12 الآية. والضمير في قوله " فيه " راجع إلى فرجها ولا ينافي ذلك قوله تعالى في " الأنبياء "

والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا

الأنبياء 91 لأن النفخ وصل إلى الفرج فكان منه حمل عيسى، وبهذا فسر الزمخشري في الكشاف الآية. وقال بعض العلماء قول جبريل ﴿ لأهب لك غلاما ﴾ حكاية منه لقول الله جل وعلا. وعليه فالمعنى إنما أنا رسول ربك، وقد قال لي أرسلتك لأهب غلاما. والأول أظهر. وفي الثاني بعد عن ظاهر اللفظ. وقال بعض العلماء جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام بها من قبله. وبهذا صدر القرطبي في تفسيره. وأظهرها الأول والعلم عند الله تعالى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨٧٢