تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما جآءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها

النمل 8 اختلفت عبارات المفسرين في المراد ب ﴿ من في النار ﴾ في هذه الآية في سورة " النمل " فقال بعضهم هو الله جل وعلا، وممن روي عنه هذا القول ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب قالوا " بورك من في النار " أي تقدس الله وتعالى. وقالوا كان نور رب العالمين في الشجرة.

واستدل من قال بهذا القول بحديث أبي موسى الثابت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

" إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ".

قال مقيدة عفا الله عنه وهذا القول بعيد من ظاهر القرآن. ولا ينبغي أن يطلق على الله أنه في النار التي في الشجرة. سواء قلنا إنها نار أو نور، سبحانه جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله! وتأويل ذلك ب

من في النار

النمل 8 سلطانه وقدرته لا يصح. لأن صرف كتاب الله عن ظاهره المتبادر منه لا يجوز إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم - وبه تعلم أن قول أبي حيان في " البحر المحيط " قال ابن عباس، وابن جبير، والحسن وغيرهم أراد بمن في النار ذاته. وعبر بعضهم بعبارات شنيعة مردودة بالنسبة إلى الله تعالى. وإذا ثبت ذلك عن ابن عباس ومن ذكر أول على حذف. أي بورك من قدرته وسلطانه في النار اه أنه أصاب في تنزيهه لله عن تلك العبارات، ولم يصب فيما ذكر من التأويل. والله أعلم. وقال بعضهم إن معنى ﴿ بورك من في النار ﴾ أي بوركت النار لأنها نور. وبعده عن ظاهر القرآن واضح كما ترى. وقال بعضهم أن ﴿ بورك من في النار ﴾ أي بوركت الشجرة التي تتقد فيها النار. وبعده عن ظاهر القرآن أيضا واضح كما ترى. وإطلاق لفظة " من " على الشجرة وعلى ما في النار من أمر الله غير مستقيم في لغة العرب التي نزل بها القرآن العظيم كما ترى. وأقرب الأقوال في معنى الآية إلى ظاهر القرآن العظيم - قول من قال إن في النار التي هي نور الملائكة وحولها ملائكة وموسى. وأن معنى ﴿ أن بورك من في النار ﴾ أي الملائكة الذين هم في ذلك النور ومن حولها. أي وبورك الملائكة الذين هم حولها، وبورك موسى لأنه حولها معهم. وممن يروى عنه هذا السدي. وقال الزمخشري في الكشاف ومعنى أن

بورك من في النار ومن حولها

النمل 8 بورك من في مكان النار ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت فيها، وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى

نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة

القصص 30 وتدل عليه قراءة أبي " أن تباركت النار ومن حولها ". وعنه " بوركت النار ". وقال القرطبي رحمه الله في قوله ﴿ أن بورك من في النار ﴾ وهذا تحية من الله لموسى، وتكرمة له كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا إليه قال رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت.

وقوله ﴿ من في النار ﴾ نائب فاعل " بورك " والعرب تقول باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وباركك لك. فهي أربع لغات. قال الشاعر

فبوركت مولودا وبوركت ناشئا وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب

وقال أبو طالب بن عبد المطلب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية

ليت شعري مسافر بن أبي عم رو وليت يقولها المحزون بورك الميت الغريب كما بورك نبع الرمان والزيتون

وقال آخر

فبورك في بنيك وفي بنيهم إذا ذكروا ونحن لك للفداء

والآيات في هذه القصة الدالة على أنه أراه آية اليد والعصا ليتمرن على ذلك قبل حضوره عند فرعون وقومه، وأنه ولى مدبرا خوفا منها في المرة الأولى لما صارت ثعبانا - جاءت في مواضع متعددة. كقوله تعالى في سورة " طه "

قال ألقها يموسى فألقاها فإذا هي حية تسعى قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضآء من غير سوء آية أخرى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٩٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٩٠٣