تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعن أبي عمرو بن العلاء أن الجني هو الذي لم يجف ولم ييبس، ولم يبعد عن يدي متناوله. قوله تعالى ﴿ فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾. قائل هذا الكلام لمريم هو الذي ناداها من تحتها ألا تحزني. وقد قدمنا الخلاف فيه هل هو عيسى، أو جبريل، وما يظهر رجحانه عندنا من ذلك. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ فقولي إني نذرت للرحمن صوما ﴾ قيل أمرت أن تقول ذلك باللفظ. وقيل أمرت أن تقوله بالإشارة. وكونها أمرت أن تقوله باللفظ هو مذهب الجمهور كما قاله القرطبي وأبو حيان، وهو ظاهر الآية الكريمة لأن ظاهر القول في قوله تعالى ﴿ فقولي إني نذرت ﴾ الآية - أنه قول باللسان. واستدل من قال إنها أمرت أن تقول ذلك بالإشارة بأنها لو قالته باللفظ أفسدت نذرها الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسيا، فإذا قالت لإنسي بلسانها إني نذرت للرحمن صوما فقد كلمت ذلك الإنسي فأفسدت نذرها. واختار هذا القول الأخير لدلالة الآية عليه ابن كثير رحمه الله، قال في تفسير هذه الآية ﴿ فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾. المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد القول اللفظي لئلا ينافي ﴿ فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ وأجاب المخالفون عن هذا بأن المعنى ﴿ فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ قوله ﴿ إني نذرت للرحمن صوما ﴾ فقد رأيت كلام العلماء في الآية. وإن القول الأول يدل عليه ظاهر السياق. وإن الثاني يدل عليه قوله ﴿ فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ لأنه يدل على نفي الكلام للإنسي مطلقا. قال أبو حيان في البحر وقوله " إنسيا " لأنها كانت تكلم الملائكة. ومعنى كلامه أن قوله " إنسيا " له مفهوم مخالفة، أي بخلاف غير الإنسي كالملائكة فإني أكلمه. والذي يظهر لي أنه لم يرد في الكلام إخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وإنما المراد شمول نفي الكلام كل إنسان كائنا من كان. مسألة اعلم أنه على هذا القول الذي اختاره ابن كثير أن المراد بقوله ﴿ فقولي إني نذرت للرحمن صوما ﴾ أي قولي ذلك بالإشارة يدل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، لأنها في هذه الآية سميت قولا على هذا الوجه من التفسير. وسمع في كلام العرب كثيرا إطلاق الكلام على الإشارة، كقوله

إذا كلمتني بالعيون الفواتر رددت عليها بالدموع البوادر

وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى ما يدل من النصوص على أن الإشارة المفهمة تنزل منزلة الكلام، وما يدل من النصوص على أنها ليست كالكلام، وأقوال العلماء في ذلك. اعلم أنه دلت أدلة على قيام الإشارة المفهمة مقام الكلام، وجاءت أدلة أخرى يفهم منها خلاف ذلك.

" فمن الأدلة الدالة على قيام الإشارة مقام الكلام - قصة الأمة السوداء التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين الله؟ " فأشارت إلى السماء. فقال صلى الله عليه وسلم أعتقها فإنها مؤمنة "

فجعل إشارتها كنطقها في الإيمان الذي هو أصل الديانات. وهو الذي يعصم به الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجي به من النار. والقصة المشهورة مروية عن جماعة من من الصحابة، منهم أبو هريرة، وابن عباس، ومعاوية بن الحكم السلمي، والشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنهم. وفي بعض رواياتهم أنها أشارت إلى السماء. قال أبو داود في سننه حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، ثنا يزيد بن هارون، قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد الله، عن عبد الله بن عتبة،

" عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء فقال يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة؟ فقال لها " أين الله؟ " فأشارت إلى السماء بإصبعها فقال لها " فمن أنا؟ " فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، يعني أنت رسول الله. فقال " أعتقها فإنها مؤمنة "

والظاهر حمل الروايات التي فيها أنه لما قال لها أين الله قالت في السماء من غير ذكر الإشارة، على أنها قالت ذلك بالإشارة. لأن القصة واحدة والروايات يفسر بعضها بعضا. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره في سورة " آل عمران " في الكلام على قوله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨٨١