تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال يبني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة

يوسف 67 أمرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب، وتسبب في ذلك بالأمر به، لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين لأنهم أحد عشر رجلا أبناء رجل واحد، وهم أهل جمال وكمال وبسطة في الأجسام. فدخولهم من باب واحد مظنة لأن تصيبهم العين فأمرهم بالتفرق والدخول من أبواب متفرقة تعاطيا للسبب في السلامة من إصابة العين كما قال غير واحد من علماء السلف. ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه

وقال يبني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ومآ أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون

يوسف 67. فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ وبين التوكل على الله في قوله ﴿ عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ﴾ وهذا أمر معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته. والله جل وعلا قادر على أن يسقط لها الرطب من غير هز الجذع، ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع. وقد قال بعضهم في ذلك

ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزه جنته ولكن كل شيء له سبب

وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية - أن خير ما تطعمه النفساء الرطب، قالوا لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله مريم وقت نفاسها بعيسى، قاله الربيع بن خيثم وغيره. والباء في قوله ﴿ وهزى إليك بجذع النخلة ﴾ مريم 25 مزيدة للتوكيد، لأن فعل الهز يتعدى بنفسه، وزيادة حرف الباء للتوكيد قبل مفعول الفعل المتعدي بنفسه كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله هنا

ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

البقرة 195، وقوله

ومن يرد فيه بإلحاد بظلم

الحج 25 الآية. وقوله

فستبصر ويبصرون بأييكم المفتون

القلم 5-6 الآية، وقوله

تنبت بالدهن

المؤمنون 20 على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم التاء وكسر الباء مضارع أنبت الرباعي، لأن الرباعي الذي هو أنبت ينبت بضم الياء المثناة وكسر الباء الموحدة يتعدى بنفسه دون الحرف، فالباء مزيدة للتوكيد كما رأيت في الآيات المذكورة. ونظير ذلك من كلام العرب قول أمية بن ابي الصلت الثقفي

إذ يسقون بالدقيق وكانوا قبل لا يأكلون خبزا فطيرا

لأن الأصل يسقون الدقيق فزيدت الباء للتوكيد. وقول الراعي

هن الحرائر لا ربات أخمرة سود المعاجر لا يقرأن بالسور

فالأصل لا يقرأن السور، فزيدت الباء لما ذكر. وقول يعلى الأحول اليشكري أو غيره

بواد يمان ينبت الشث صدره وأسفله بالمرخ والشبهان

فالأصل وأسفله المرخ أي وينبت أسفله المرخ، فزيدت الباء لما ذكر وقول الأعشى

ضمنت برزق عيالنا أرماحنا ملء المراجل والصريح الأجودا

فالأصل ضمنت رزق عيالنا. وقول الراجز

نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج

أي نرجو الفرج. وقول امرىء القيس

فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال

فالأصل هصرت غصنا لأن هصر تتعدى بنفسها. وأمثال هذا كثيرة في كلام العرب. وفي قوله تعالى في هذه الآية الكريمة " تساقط " تسع قراءات،ثلاث منها سبعية، وست شاذة.أما الثلاث السبعية فقد قرأه حمزة وحده من السبعة " تساقط " بفتح التاء وتخفيف السين وفتح القاف، وأصله تتساقط فحذفت إحدى التاءين. وعلى هذه القراءة فقوله " رطبا " تمييز محول عن الفاعل. وقرأه حفص وحده عن عاصم " تساقط " بضم التاء وكسر القاف وتخفيف السين، ومضارع ساقطت تساقط. وعلى هذه القراءة فقوله " رطبا " مفعول به للفعل الذي هو " تساقط " هي أي النخلة رطبا. وقرأه بقية السبعة " تساقط " بفتح التاء والقاف وتشديد السين، أصله تتساقط فأدغمت إحدى التاءين في السين. وعلى قراءة الجمهور هذه فقوله " رطبا " تمييز محول عن الفاعل كإعرابه على قراءة حمزة - وغير هذا من القراءات شاذ وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ رطبا جنيا ﴾ الجني هو ما طاب وصلح لأن يجنى فيؤكل.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨٨٠