تساقط عليك رطبا جنيا
مريم 25 أي من النهر المذكور في قوله ﴿ قد جعل ربك تحتك سريا ﴾ وإطلاق السري على الجدول مشهور في كلام العرب. ومنه قول لبيد في معلقته
فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاورا قلامها
وقول لبيد أيضا يصف نخلا نابتا على ماء النهر
سحق يمتعها الصفا وسريه عم نواعم بينهن كروم
وقول الآخر
سهل الخليقة ماجد ذو نائل مثل السري تمده الأنهار
فقوله " سريه ". وقولهما " السري " بمعنى الجدول. وكذلك قول الراجز
سلم ترى الدالي منه أزورا إذا يعب في السري هرهرا
وقال بعض أهل العلم السري هو عيسى. والسري هو الرجل الذي له شرف مروءة. يقال في فعله سرو بالضم. وسرا - بالفتح - يسرو سروا فيهما. وسري - بالكسر - يسري سري وسراء وسروا إذا شرف. ويجمع السري هذا على أسرياء على القياس، وسرواء وسراة بالفتح. وعن سيبويه أن السراة - بالفتح - اسم جمع لا جمع. ومنه قول الأفوه الأودي
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
ويجمع السراة على سروات. ومنه قول قيس بن الحطين
وعمرة من سروات النساء تنفح بالمسك أردانها
ومن إطلاق السري بمعنى الشريف قول الشاعر
تلقى السري من الرجال بنفسه وابن السري إذا سرى أسراهما
وقوله " أسراهما " أي أشرفهما. قاله في اللسان.
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له أظهر القولين عندي أن السري في الآية النهر الصغير، والدليل على ذلك أمران أحدهما - القرينة من القرآن، فقوله تعالى
فكلي واشربي
مريم 26 قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به في قوله ﴿ قد جعل ربك تحتك سريا ﴾ ، وقوله
تساقط عليك رطبا جنيا
مريم 25، وكذلك قوله تعالى
وآويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ومعين
المؤمنون 50 لأن المعين الماء الجاري. والظاهر أن الجدول المعبر عنه بالسري في هذه الآية. والله تعالى أعلم. الأمر الثاني - حديث جاء بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية وقد جاء بذلك حديث مرفوع، قال الطبراني حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس، سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
" إن السري الذي قال الله لمريم ﴿ قد جعل ربك تحتك سريا ﴾ ، نهر أخرجه الله لها لتشرب منه "
وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلى، قال فيه أبو حاتم الرازي ضعيف. وقال أبو زرعة منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي متروك الحديث - انتهى كلام ابن كثير. وقال ابن حجر رحمه الله في " الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف " في الحديث المذكور أخرجه الطبراني في الصغير، وابن عدي من رواية أبي سنان سعيد بن سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ﴿ قد جعل ربك تحتك سريا ﴾ قال
" السري النهر "
قال الطبراني لم يرفعه عن أبي إسحاق إلا أبو سنان، رواه عنه يحيى بن معاوية وهو ضعيف. وأخرجه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق عن البراء موقوفا. وكذا ذكره البخاري تعليقا عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق. ورواه ابن مروديه من طريق آدم، عن إسرائيل كذلك وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن أبي إسحاق موقوفا. وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما قال " إن السري الذي قاله لمريم نهر أخرجه الله لتشرب منه ". أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية في ترجمة عكرمة عن ابن عمر، وراويه عن عكرمة أيوب بن نهيك ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة - انتهى. فهذا الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت طرقه لا يخلو شيء منها من ضعف - أقرب إلى الصواب من دعوى أن السري عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه. وممن اختار أن السري المذكور في الآية النهر- ابن جرير في تفسيره، وبه قال البراء بن عازب، وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وعمر بن ميمون، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والسدي، ووهب بن منبه وغيرهم. وممن قال إنه عيسى الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عباد بن جعفر. وهو إحدى الروايتين عن قتادة. وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قاله ابن كثير وغيره.