تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لا نورث ما تركنا صدقة "

وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح

" نحن معشر الأنبياء لا نورث "

وعلى هذا فتعين حمل قوله ﴿ فهب لي من لدنك وليا يرثني ﴾ على ميراث النبوة. ولهذا قال ﴿ ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ﴾ كقوله

وورث سليمان داوود

النمل 16 أي في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة. إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها. وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث

" نحن معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركنا فهو صدقة "

اه محل الغرض من كلام ابن كثير، ثم ساق بعد هذا طرق الحديث الذي أشرنا له

" يرحم الله زكريا وما كان عليه من ورثة ماله "

الحديث. ثم قال في أسانيده وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح. واعلم أن لفظ " نحن معاشر الأنبياء " ولفظ " إنا معاشر الأنبياء " مؤداهما واحد. إلا أن " إن " دخلت على " نحن " فأبدلت لفظة " نحن " التي هي المبتدأ بلفظة " نا " الصالحة للنصب، والجملة هي هي إلا أنها في أحد اللفظين أكدت. ب " إن " كما لا يخفى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ فهب لي من لدنك وليا ﴾ يعني بهذا الولي الولد خاصة دون غيره من الأولياء. بدليل قوله تعالى في القصة نفسها

هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة

آل عمران 38 الآية، وأشار إلى أنه الولد أيضا بقوله

وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين

الأنبياء 89 فقوله " لا تذرني فردا " أي واحدا بلا ولد. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة، عن زكريا ﴿ وإني خفت الموالي من ورآئي ﴾ أي من بعدي إذا مت أن يغيروا في الدين. وقد قدمنا أن الموالي الأقارب والعصبات، ومن ذلك قوله تعالى

ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون

النساء 33 الآية. والمولى في لغة العرب يطلق على كل من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به. وكثيرا ما يطلق في اللغة على ابن العم. لأن ابن العم يوالي ابن عمه بالقرابة العصبية. ومنه قول طرفة بن العبد

واعلم علما ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل

يعني إذا ذلت بنو عمه فهو ذليل. وقول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب

مهلا ابن عمنا مهلا موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ وكانت امرأتي عاقرا ﴾ ظاهر في أنها كانت عاقرا في زمن شبابها. والعاقر هي العقيم التي لا تلد وهو يطلق على الذكر والأنثى. فمن إطلاقه على الأنثى هذه الآية، وقوله تعالى عن زكريا أيضا

وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر

آل عمران 40. ومن إطلاقه على الذكر قول عامر بن الطفيل

لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا جبانا فما عذري لدى كل محضر

وقد أشار تعالى إلى أنه أزال عنها العقم. وأصلحها. فجعلها ولودا بعد أن كانت عاقرا في قوله عز وجل

فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه

الأنبياء 90 فهذا الإصلاح هو كونها صارت تلد بعد أن كانت عقيما. وقول من قال إن إصلاحها المذكور هو جعلها حسنة الخلق بعد أن كانت سيئة الخلق لا ينافي ما ذكر لجواز أن يجمع له بين الأمرين فيها، مع أن كون الإصلاح هو جعلها ولودا بعد العقم هو ظاهر السياق، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير، ومجاهد وغيرهم. والقول الثاني يروى عن عطاء. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن زكريا ﴿ واجعله رب رضيا ﴾ أي مرضيا عندك وعند خلقك في أخلاقه وأقواله وأفعاله ودينه، وهو فعيل بمعنى مفعول. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ فهب لي من لدنك ﴾ أي من عندك. وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ قرأه أبو عمرو والكسائي بإسكان الثاء المثلثة من الفعلين، أعني ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ وهما على هذه القراءة مجزومان لأجل جواب الطلب الذي هو " هب لي " والمقرر عند علماء العربية. أن المضارع المجزوم في جواب الطلب مجزوم بشرط مقدر يدل عليه فعل الطلب، وتقديره في هذه الآية التي نحن بصددها، إن تهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨٥٨