تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إنا معاشر الأنبياء لا نورث.. "

الحديث وأخرجه عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة عنه، وهو كذلك في مسند الحميدي عن ابن عيينة، وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه. وأورده الهيثم بن كليب في مسنده من حديث أبي بكر الصديق باللفظ المذكور. وأخرجه الطبراني في الأوسط بنحو اللفظ المذكور. وأخرجه الدارقطني في العلل من رواية أم هانىء عن فاطمة رضي الله عنها، عن أبي بكر الصديق بلفظ

" إن الأنبياء لا يورثون "

انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر. وقد رأيت فيه هذه الطرق التي فيها التصريح بعموم الأنبياء. وقد قال ابن حجر إن إنكار الحديث المذكور غير مسلم إلا بالنسبة لخصوص لفظ " نحن " وهذه الروايات التي أشار لها يشد بعضها. وقد تقرر في الأصول أن البيان يصح بكل ما يزيل الإشكال ولو قرينة أو غيرها كما قدمناه موضحا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، وعليه - فهذه الأحاديث التي ذكرنا تبين أن المقصود من قوله في الحديث المتفق عليه " لا نورث " أنه يعني نفسه.

كما قال عمر وجميع الأنبياء كما دلت عليه الروايات المذكورة. والبيان إرشاد ودلالة يصح بكل شيء يزيل اللبس عن النص من نص أو فعل أو قرينة أو غير ذلك. قال في مراقي السعود في تعريف البيان وما به البيان

تصيير مشكل من الجلى وهو واجب على النبي إذا أريد فهمه وهو بما من الدليل مطلقا يجلو العما

وبهذا الذي قررنا تعلم أن قوله هنا ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ يعني وراثة العلم والدين لا المال. وكذلك قوله

وورث سليمان داوود

النمل 16 الآية. فتلك الوراثة أيضا وراثة علم ودين. والوراثة قد تطلق في الكتاب والسنة على وراثة العلم والدين، كقوله تعالى

ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا

فاطر 32 الآية، وقوله

وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب

الشورى 14، وقوله

فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب

الأعراف 169 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ومن السنة الواردة في ذلك ما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

" العلماء ورثة الأنبياء "

وهو في المسند والسنن قال صاحب تمييز الطيب من الخبيث، فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث رواه أحمد أبو داود والترمذي وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعا بزيادة

" إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم "

وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما - انتهى منه بلفظه. وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس " العلماء ورثة الأنبياء " رواه أحمد والأربعة وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعا بزيادة

" إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم.. "

الحديث، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وحسنه حمزة الكناني وضعفه غيرهم لاضطراب سنده لكن له شواهد. ولذا قال الحافظ له طرق يعرف بها أن للحديث أصلا، ورواه الديلمي عن البراء بن عازب بلفظ الترجمة اه محل الغرض منه. والظاهر صلاحية هذا الحديث للاحتجاج لاعتضاد بعض طرقه ببعض. فإذا علمت ما ذكرنا من دلالة هذه الأدلة على أن الوراثة المذكورة في الآية وراثة علم ودين لا وراثة مال فاعلم أن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال الأول - هو ما ذكرنا. والثاني - أنها وراثة مال، والثالث أنها وبالنسبة لآل يعقوب في قوله " ويرث من آل يعقوب " وراثة علم ودين. وهذا اختيار ابن جرير الطبري. وقد ذكر من قال إن وراثته لزكريا وراثة مال حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أنه قال

" رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته "

أي ماذا يضره إرث ورثته لماله.

ومعلوم أن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. والأرجح فيما يظهرلنا هو ما ذكرنا من أنها وراثة علم ودين للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما يدل على ذلك. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره هنا ما يؤيد ذلك من أوجه. قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى ﴿ وإني خفت الموالي من ورآئي ﴾ وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا فسأل الله ولدا يكون نبيا من بعده ليسوسهم بنبوته بما يوحى إليه فأجيب في ذلك لا أنه خشي من وراثتهم له ماله فإن النبي أعظم منزلة، وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم - وهذا وجه. الثاني - أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجارا يأكل من كسب يديه. ومثل هذا لا يجمع مالا، ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا. الثالث - أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨٥٧