أي عن الحي الذي غاب واضمحل، ومن هنا سمي الدفن إضلالا. لأن مآل الميت المدفون إلى أن تختلط عظامه بالأرض، فيضل فيها كما يضل السمن في الطعام. ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان
فآب مضلوه بعين جلية وغودو بالجولان حزم ونائل
فقوله " مضلوه " يعني دافنيه في قبره. ومن هذا المعنى قوله تعالى
وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد
السجدة 10 الآية. فمعنى ﴿ ضللنا في الأرض ﴾ أنهم اختلطت عظامهم الرميم بها لغابت واستهلكت فيها. الثالث - الضلال بمعنى الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى
ووجدك ضآلا فهدى
الضحى 7 أي ذاهبا عما تعلمه الآن من العلوم والمعارف التي لا تعرف إلا بالوحي فهداك إلى تلك العلوم والمعارف بالوحي. وحدد هذا المعنى قوله تعالى عن أولاد يعقوب
قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم
يوسف 95 أي ذهابك عن العلم بحقيقة أمر يوسف، ومن أجل ذلك تطمع في رجوعه إليك، وذلك لا طمع فيه على أظهر التفسيرات وقوله تعالى
فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء أن تضل إحداهما
البقرة 282 أي نذهب عن حقيقة علم المشهود به بنسيان أو نحوه، بدليل قوله ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ ، وقوله تعالى
قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى
طه 52 ومن هذا المعنى قول الشاعر
وتظن سلمى أنثى أبغى بها بدلا أراها في الضلال تهيم
فقوله " أراها في الضلال " أي الذهاب عن علم حقيقة الأمر حيث تظنني أبغى بها بدلا، والواقع بخلاف ذلك. وقوله في هذه الآية ﴿ وهم يحسبون ﴾ أي يظنون. وقرأه بعض السبعة بكسر السين، وبعضهم بفتحها كما قدمنا مرارا في جميع القرآن. ومفعولا " حسب " هما المبتدأ والخبر اللذان عملت فيهما " أن " والأصل ويحسبون أنفسهم محسنين صنعهم. وقوله " صنعا " أي عملا وبين قوله " يحسبون، ويحسنون " الجناس المسمى عند أهل البديع " تجنيس التصحيف " وهو أن يكون النقط فرقا بين الكلمتين، كقول البحتري
ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ليعجز والمعتز بالله طالبه
فبين " المغتر والمعتز " الجناس المذكور.