تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

الإسراء 15 ولم يقل حتى نلقي في القلوب إلهاما. وقال تعالى

رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل

النساء 165. قال

ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك

طه 134 الآية. والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدا. وقد بينا طرفا من ذلك في سورة " بني إسرائيل " في الكلام على قوله

وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

الإسراء 15. وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين التصوف من أن لهم ولأشياخهم طريقا باطنة توافق الحق عند الله ولو كانت مخالفة لظاهر الشرع، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى - زندقة، وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام، بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره. قال القرطبي رحمه الله في تفسيره ما نصه قال شيخنا الإمام أبو العباس ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق لا تلزم منه هذه الأحكام الشرعية فقالوا هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة.

وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص. بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم. ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. وقالوا وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزيئات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون " استفت قلبك وإن أفتاك المفتون ". قال شيخنا رضي الله عنه وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب. لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالتهم وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى

الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير

الحج 75، وقال تعالى

الله أعلم حيث يجعل رسالته

الأنعام 124

كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين

البقرة 213، إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة، فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري، واجتماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل. فمن قال إن هناك طريقا أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل حيث يستغنى عن الرسل - فهو كافر يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال وجواب. ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم. الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول. وبيان ذلك - أن من قال يأخذ عن قلبه. وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة- فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة. فإن هذا نحو ما قاله صلى الله عليه وسلم

" إن روح القدس نفث في روعي.. "

الحديث. انتهى من تفسير القرطبي. وما ذكره في كلام شيخه المذكور من أن الزنديق لا يستتاب هو مذهب مالك ومن وافقه، وقد بينا أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم، وما يرجحه الدليل في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة " آل عمران ". وما يستدل به بعض الجهلة ممن يدعي التصوف على اعتبار الإلهام من ظواهر بعض النصوص كحديث

" استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك "

- لا دليل فيه ألبتة على اعتبار الإلهام لأنه لم يقل أحد ممن يعتد به أن المفتي الذي تتلقى الأحكام الشرعية من قبله القلب، بل من الحديث التحذير من الشبه، لأن الحرام بين والحلال بين، وبينهما أمور مشتبهة لا يعملها كل الناس.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨٣١