تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحاد شروري والستار فلم يدع تعارا له والواديين بموبق

يعني بموعد. والتحقيق أن الموبق المهلك، من قولهم وبق يبق، كوعد يعد إذا هلك. وفيه لغة أخرى وهي وبق يوبق كرجل يوجل. ولغة ثالثة أيضا وهي وبق يبق كورث يرث. ومعنى كل ذلك الهلاك. والمصدر من وبق - بالفتح - الوبوق على القياس، والوبق. ومن وبق - بالكسر - الوبق بفتحتين على القياس. وأوبقته ذنوبه أهلكته، ومن هذا المعنى قوله تعالى

أو يوبقهن بما كسبوا

الشورى 34 أي يهلكهن، ومنه الحديث، " فموبق نفسه أو بائعها فمعتقها " وحديث " السبع الموبقات " أي المهلكات، ومن هذا المعنى قول زهير

ومن يشتري حسن الثناء بماله يصن عرضه عن كل شنعاء موبق

وقول من قال، إن الموبق العداوة، وقول من قال إنه المجلس - كلاهما ظاهر السقوط. والتحقيق فيه هو ما قدمنا. وأما أقوال العلماء في المراد بلفظة " بين " فعلى قول الحسن ومن وافقه أن الموبق العداوة - فالمعنى واضح أي وجعلنا بينهم عداوة كقوله

الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو

الزخرف 67 الآية، وقوله

وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا

العنكبوت 25 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ولكن تفسير الموبق بالعداوة بعيد كما قدمنا. وقال بعض العلماء المراد بالبين في الآية الوصل أي وجعلنا تواصلهم في الدنيا ملكا لهم يوم القيامة كما قال تعالى

إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب

البقرة 166 أي المواصلات التي كانت بينهم في الدنيا. وكما قال

كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا

مريم 82، وكما قال تعالى

ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا

العنكبوت 25 ونحو ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء ﴿ وجعلنا بينهم موبقا ﴾ جعلنا الهلاك بينهم لأن كلا منهم معين على هلاك الآخر لتعاونهم على الكفر والمعاصي فهم شركاء في العذاب، كما قال تعالى

ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون

الزخرف 39، وقوله

قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون

الأعراف 38 ومعنى هذا القول مروي عن ابن زيد. وقال بعض العلماء ﴿ وجعلنا بينهم موبقا ﴾ أي بين المؤمنين والكافرين موبقا، أي مهلكا يفصل بينهم، فالداخل فيه، في هلاك، والخارج عنه في عافية. وأظهر الأقوال عندي وأجراها على ظاهر القرآن، أن المعنى وجعلنا بين الكفار وبين من كانوا يعبدونهم ويشركونهم مع الله موبقا أي مهلكا، لأن الجميع يحيط بهم الهلاك من كل جانب، كما قال تعالى

لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل

الزمر 16 الآية، وقوله

لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش

الأعراف41 الآية، وقوله

إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

الأنبياء 98 الآية. وقال ابن الأعرابي كل شيء حاجز بين شيئين يسمى موبقا، نقله عنه القرطبي. وبما ذكرنا تعلم أن الضمير في قوله " بينهم " قيل راجع إلى أهل النار. وقيل راجع إلى أهل الجنة وأهل النار معا. وقيل راجع للمشركين وما كانوا يعبدونه من دون الله. وهذا هو أظهرها لدلالة ظاهره السياق عليه، لأن الله يقول ﴿ ويوم يقول نادوا شركآئي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ﴾ الكهف 52 ثم قال مخبرا عن العابدين والمعبودين ﴿ وجعلنا بينهم موبقا ﴾ الكهف 52 أي مهلكا يفصل بينهم ويحيط بهم. وهذا المعنى كقوله

ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركآؤكم فزيلنا بينهم

يونس 28 الآية. أي فرقنا بينهم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ويوم يقول ﴾ قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة بالياء المثناة التحتية، وقرأه حمزة " نقول " بنون العظمة، وعلى قراءة الجمهور فالفاعل ضمير يعود إلى الله، أي يقول هو أي الله.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨١٤