الأنعام 94، وقوله
لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا
مريم 94-95 وقوله تعالى
كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ
الأنبياء 104 الآية، وقوله
كما بدأكم تعودون
الأعراف 29 تقدم. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ كما خلقناكم ﴾ " ما " مصدرية، والمصدر المنسبك منها ومن صلتها نعت لمصدر محذوف على حذف مضاف. وإيضاح تقريره ولقد جئتمونا كما خلقناكم، أي مجيئا مثل مجيء خلقكم، أي حفاة عراة غرلا كما جاء في الحديث، وخالين من المال والولد. وهذا الإعراب هو مقتضى كلام أبي حيان في البحر. ويظهر لي أنه يجوز إعرابه أيضا حالا، أي جئتمونا في حال كونكم مشابهين لكم في حالتكم الأولى، لأن التشبيه يؤول بمعنى الوصف، كما أشار له في الخلاصة بقوله
ويكثر الجمود في سعر وفي مبدي تأول بلا تكلف كبعه مدا بكذا يدا بيد وكر زيد أسدا أي كأسد
فقوله " وكر زيد أسدا أي كأسد " مثال لمبدي التأول، لأنه في تأويل كر في حال كونه مشابها للأسد كما ذكرنا - واعلم أن حذف القول وإثبات مقوله مطرد في اللغة العربية، وكثير في القرآن العظيم كما ذكرناه آنفا. لكن عكسه وهو إثبات القول وحذف مقوله قليل جدا، ومنه قول الشاعر
لنحن الألى قلتم فأني ملئتم برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا
لأن المراد لنحن الألى قلتم نقاتلهم، فحذف جملة نقاتلهم التي هي مقول القول. وقوله
ولقد جئتمونا
الأنعام 94 عبر فيه بالماضي وأراد المستقبل، لأن تحقيق وقوع ذلك ينزله منزلة الواقع بالفعل. والتعبير بصيغة الماضي عن المستقبل لما ذكرنا كثير جدا في القرآن العظيم، ومنه قوله هنا
وحشرناهم
الكهف 47، وقوله ﴿ وعرضوا على ربك ﴾ الكهف48 ، وقوله ﴿ لقد جئتمونا ﴾. ومنه قوله
أتى أمر الله
النحل 1، وقوله
ونفخ في الصور
الكهف99، وقوله
وسيق الذين كفروا
الزمر 71، وقوله
وسيق الذين اتقوا ربهم
الزمر73 ونحو ذلك كثير في القرآن لما ذكرنا. قوله تعالى ﴿ بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا ﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن الكفار زعموا أن الله لن يجعل لهم موعدا. والموعد يشمل زمان الوعد ومكانه. والمعنى أنهم زعموا أن الله لم يجعل وقتا ولا مكانا لإنجاز ما وعدهم على ألسنة رسله من البعث والجزاء والحساب.. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من إنكارهم البعث - جاء مبينا في آيات كثيرة، كقوله تعالى
زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا
التغابن 7 الآية. وقوله عنهم
وما نحن بمبعوثين
الأنعام 29،
وما نحن بمنشرين
الدخان 35 ونحو ذلك من الآيات.
وقد بين الله تعالى كذبهم في إنكارهم للبعث في آيات كثيرة. كقوله في هذه السورة الكريمة
بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا
الكهف 58، وقوله
قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم
التغابن 7 الآية، وقوله
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا
النحل 38، وقوله
كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا كنا فاعلين
الأنبياء 104 والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وقد قدمنا في سورة " البقرة " وسورة " النحل " - البراهين التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ بل زعمتم ﴾ إضراب انتقالي من خبر إلى خبر آخر، لا إبطالي كما هو واضح. وأن في قوله ﴿ ألن نجعل ﴾. مخففة من الثقيلة، وجملة الفعل الذي بعدها خبرها، والاسم ضمير الشأن المحذوف. على حد قوله في الخلاصة وإن تخفف أن.. البيت والفعل المذكور متصرف وليس بدعاء، ففصل بينه وبينها بالنفي. على حد قوله في الخلاصة وإن يكن فعلا ولم يكن دعا.. البيتين.