وصاحب الحال المذكورة هو الضمير المضاف إليه في قوله " عيناك " وإنما ساغ ذلك لأن المضاف هنا جزء من المضاف إليه، على حد قوله في الخلاصة
ولا تجز حالا من المضاف له إلا إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزء ماله أضيفا أو مثل جزئه فلا تحيفا
وما نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة من طموح العين إلى زينة الحياة الدنيا، مع الاتصاف بما يرضيه جل وعلا من الثبات على الحق، كمجالسة فقراء المؤمنين - أشار له أيضا في مواضع أخر، كقوله
فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا
طه 130-131 الآية، وقوله تعالى
ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم
الحجر 87-88 الآية. قوله تعالى ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ﴾. نهى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة عن طاعة من أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه، وكان أمره فرطا. وقد كرر في القرآن نهي نبيه صلى الله عليه وسلم عن اتباع مثل هذا الغافل عن ذكر الله المتبع هواه، كقوله تعالى
فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا
الإنسان24، وقوله
ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم
الأحزاب 48 الآية، وقوله تعالى
ودوا لو تدهن فيدهنون ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشآء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم
القلم 9-13 إلى غير ذلك من الآيات. وقد أمره في موضع آخر بالإعراض عن المتولين عن ذكر الله، والذين لا يريدون غير الحياة الدنيا، وبين له أن ذلك هو مبلغهم من العلم. وذلك في قوله تعالى
فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم
النجم 29-30. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ من أغفلنا قلبه ﴾ يدل على أن ما يعرض للعبد من غفلة ومعصية، إنما هو بمشيئة الله تعالى. إذ لا يقع شيء ألبتة كائنا ما كان إلا بمشيئته الكونية القدرية، جل وعلا،
وما تشآءون إلا أن يشآء الله
الإنسان 30 الآية،
ولو شآء الله مآ أشركوا
الأنعام 107،
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
السجدة 13، ﴿ ولو شآء الله لجمعهم على الهدى ﴾ ،
ختم الله على قلوبهم
البقرة 7 الآية،
وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا
الأنعام 25 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل شيء من خير وشر، لا يقع إلا بمشيئة خالق السموات والأرض. فما يزعمه المعتزلة، ويحاول الزمخشري في تفسيره دائما - تأويل آيات القرآن على نحو ما يطابقه من استقلال قدرة العبد وإرادته فأفعاله دون مشيئة الله، لا يخفى بطلانه كما تدل عليه الآيات المذكورة آنفا، وأمثالها في القرآن كثيرة. ومعنى اتباعه هواه أنه يتبع ما تميل إليه نفسه الأمارة بالسوء وتهواه من الشر، كالكفر والمعاصي. وقوله ﴿ وكان أمره فرطا ﴾ قيل هو من التفريط الذي هو التقصير، وتقديم العجز بترك الإيمان. وعلى هذا فمعنى ﴿ وكان أمره فرطا ﴾ أي كانت أعماله سفها وضياعا وتفريطا. وقيل من الإفراط الذي هو مجاوزة الحد، كقول الكفار المحتقرين لفقراء المؤمنين نحن أشراف مضر وساداتها! إن اتبعناك اتبعك جميع الناس. وهذا من التكبر والإفراط في القول. وقيل " فرطا " أي قدما في الشر.. من قولهم فرط منه أمر، أي سبق. وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة عندي بحسب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن معنى قوله " فرطا " أي متقدما للحق والصواب، نابذا له وراء ظهره. من قولهم فرس فرط، أي متقدم للخيل. ومنه قول لبيد في معلقته
ولقد حميت الخيل تحمل شكتي فرط وشاحي إذ غدوت لجامها
وإلى ما ذكرنا في معنى الآية ترجع أقوال المفسرين كلها، كقول قتادة ومجاهد " فرطا " أي ضياعا. وكقول مقاتل بن حيان " فرطا " أي سرفا. كقول الفراء " فرطا " أي متروكا. وكقول الأخفش " فرطا " أي مجاوزا للحد، إلى غير ذلك من الأقوال.