لفظ البخاري. فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي عليه وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مريضا ولا مسافرا. وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما أنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح إلا برضا خصمه " وهذا الحديث خلاف قولهما اه كلام القرطبي. ولا يخفى ما فيه، لأن أبا حنيفة وسحنونا إنما خالفا في الوكالة على المخاصمة بغير إذن الخصم فقط، ولم يخالفا في الوكالة في دفع الحق. وبهذه المناسبة سنذكر إن شاء الله الأدلة من الكتاب والسنة على صحة الوكالة وجوازها، وبعض المسائل المحتاج إليها من ذلك، تنبيها بها على غيرها. اعلم أولا أن الكتاب والسنة والإجماع كلها دل على جواز الوكالة وصحتها في الجملة. فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى هنا ﴿ فابعثوا أحدكم بورقكم ﴾ هذه الآية، وقوله تعالى " "
والعاملين عليها
التوبة 60 الآية، فإن عملهم عليها توكيل لهم على أخذها. واستدل لذلك بعض العلماء أيضا بقوله
اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي
يوسف 93 الآية، فإنه توكيل لهم من يوسف على إلقائهم قميصه على وجه أبيه ليرتد بصيرا. واستدل بعضهم لذلك أيضا بقوله تعالى عن يوسف
قال اجعلني على خزآئن الأرض
يوسف 55 الاية، فإن توكيل على ما في خزائن الأرض. وأما السنة فقد دلت أحاديث كثيرة على جواز الوكالة وصحتها، من ذلك حديث أبي هريرة المتقدم في كلام القرطبي، الدال على التوكيل في قضاء الدين، وهو حديث متفق عليه. وأخرج الجماعة إلا البخاري من حديث أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
ومنها حديث عروة بن أبي الجعد البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري به له شاة، فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا بالبركة في بيعه. وكان لو اشترى التراب لربح فيه، رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني وفيه التوكيل على الشراء.
" ومنها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قفلت إني أردت الخروج إلى خيبر؟ فقال " إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته "
أخرجه أبو داود والدارقطني. وفيه التصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن له وكيلا. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح
" واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها "
وهو صريح في التوكيل في إقامة الحدود. ومنها حديث علي رضى الله عنه قال " أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجازر منها شيئا - وقال نحن نعطيه من عندنا " متفق عليه. وفيه التوكيل على القيام على البدن والتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها. وعدم إعطاء الجازر شيئا منها.
" ومنها حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه غنما يقسمها على أصحابه فبقي عتود، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " ضح أنت به "
متفق عليه أيضا. وفيه الوكالة في تقسيم الضحايا، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. وقد أخرج الشيخان في صحيحهما طرفا كافيا منها ذكرنا بعضه هنا. وقد قال ابن حجر في فتح الباري في كتاب الوكالة ما نصه اشتمل كتاب الوكالة - يعني من صحيح البخاري - على ستة وعشرين حديثا، المعلق منها ستة، والبقية موصولة. المكرر منها فيه وفيما مضى اثنا عشر حديثا، والبقية خالصة وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عبد الرحمن بن عوف في قتل أمية بن خلف، وحديث كعب بن مالك في الشاة المذبوحة، وحديث وفد هوازن من طريقيه، وحديث أبي هريرة في حفظ زكاة رمضان، وحديث عقبة بن الحرث في قصة النعيمان، وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم ستة آثار، والله أعلم. انتهى من فتح الباري. وكل تلك الأحاديث دالة على جواز الوكالة وصحتها. وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الوكالة وصحتها في الجملة وقال ابن قدامة في المغني وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك. فإن لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه فدعت الحاجة إليها، انتهى منه.