تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما القول بأن معنى: لولا دعاؤكم: أي إخلاصكم الدعاء له أيها الكفار عند الشدائد، والكروب، فقد دلت على معناه آيات كثيرة كقوله تعالى:

فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين

[العنكبوت: 65] وقوله تعالى:

جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين

[يونس: 22].

وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى:

وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه

[الإسراء: 67] الآية، وهذا القول وإن دلت عليه آيات كثيرة، فلا يظهر كونه هو معنى آية الفرقان هذه.

أما القول بأن المعنى: ما يصنع بعذابكم، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى، فقد دل على معناه قوله تعالى:

ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم

[النساء: 147] الآية.

والقول الأول الذي هو أشهر الأقوال وأكثرها قائلا، وهو أن المعنى: لولا دعاؤكم: أي عبادتكم له وحده، قد دل عليه جميع الآيات الدالة على ما يعيطه الله لمن أطاعه، وما أعده لمن عصاه، وكثرتها معلومة لا خفاء بها.

واعلم أن لفظة ما، في قوله: ﴿ قل ما يعبؤا بكم ربي ﴾ قال بعض أهل العلم: هي استفهامية. وقال بعضهم: هي نافية وكلاهما له وجه من النظر.

واعلم أن قول من قال: لولا دعاؤكم: أي دعاؤكم إياي لأغفر لكم، وأعطيكم ما سألتم راجع إلى القول الأول، لأن دعاء المسألة داخل في العبادة كما هو معلوم. وقوله: فقد كذبتم: أي بما جاءكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد قدمنا في الكلام على قوله تعالى:

إن عذابها كان غراما

[الفرقان: 65] أن معنى قوله تعالى: ﴿ فسوف يكون لزاما ﴾ أي سوفي يكون العذاب ملازما لهم غير مفارق، كما تقدم إيضاحه.

وقال جماعة من أهل العلم: إن المراد بالعذاب اللازم لهم المعبر عن لزومه لهم بقوله: ﴿ فسوف يكون لزاما ﴾ أنه ما وقع من العذاب يوم بدر، لأنهم قتل منهم سبعون وأسر سبعون، والذين قتلوا منهم ما أصابهم عذاب القتل، واتصل به عذاب البرزخ والآخرة فهو ملازم لا يفارقهم بحال، وكون اللزام المذكور في هذه الآية: العذاب الواقع يوم بدر، نقله ابن كثير عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم ثم قال: وقال الحسن البصري: ﴿ فسوف يكون لزاما ﴾ أي يوم القيامة، ولا منافاة بينهما.

انتهى من ابن كثير، ونقله صاحب الدر المنثور عن أكثر المذكورين وغيرهم.

وقال جماعة من أهل العلم: إن يوم بدر ذكره الله تعالى في آيات من كتابه، قالوا هو المراد بقوله تعالى:

ولنذيقنهم من العذاب الأدنى

[السجدة: 21] أي يوم بدر

دون العذاب الأكبر

[السجدة: 21] أي يوم القيامة، وأنه هو المراد بقوله: ﴿ فسوف يكون لزاما ﴾ ، وأنه هو المراد بالبطش والانتقام، في قوله تعالى:

يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون

[الدخان: 16] وأنه هو الفرقان الفارق بين الحق والباطل في قوله تعالى:

إن كنتم آمنتم بالله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان

[الأنفال: 41] وهو يوم بدر، وأنه هو الذي فيه النصر في قوله تعالى:

ولقد نصركم الله ببدر

[آل عمران: 123] الآية، وكون المراد بهذه الآيات المذكورة يوم بدر ثبت بعضه في الصحيح، عن ابن مسعود، وهو المراد بقول الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في الكلام على بدر:

وقد أتى منوها في الذكر:

لأنه العذاب واللزام

وأنه البطش والانتقام

وأنه الفرقان بين الكفر

والحق والنصر سجيس الدهر

ومعنى سجيس الدهر: أي مدته.

وأظهر الأقوال في الآية عندي، هو القول بأن المصدر فيها مضاف إلى مفعوله لجريانه على اللغة الفصيحة من غير إشكال ولا تقدير، وممن قال به قتادة. والعلم عند الله تعالى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٦٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٦٥٢