وفي لفظ لمسلم، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخره وإنما يستخرج به من البخيل "
وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر،
" عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن النذر، وقال: " إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل " ".
وقال مسلم في صحيحه أيضا: وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبدالعزيز، يعني الدراوردي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل "
وفي لفظ لمسلم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال:
" إنه لا يرد من القدر، وإنما يستخرج به من البخيل "
وفي لفظ لمسلم، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج "
اه. من صحيح مسلم.
وهذا الذي ذكرنا من حديث الشيخين، عن ابن عمر وأبي هريرة: فيه الدلالة الصريحة على النهي عن الإقدام على النذر، وأنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل. وفي الأحاديث المذكورة إشكال معروف، لأنه قد دل القرآن على الثناء على الذين يوفون بالنذر، وأنه من أسباب دخول الجنة كقوله تعالى:
إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا
[الإنسان: 5-7] وقوله تعالى:
ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه
[البقرة: 270] وقد دل الكتاب والسنة على وجوب الوفاء، بنذر الطاعة، كقوله تعالى في هذه الآية، التي نحن بصددها ﴿ ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ﴾ [الحج: 29] الآية. وكقوله صلى الله عليه وسلم:
" من نذر أن يطيع الله فليطعه "
ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح، من ذم الذين لم يوفوا بنذورهم.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد، عن يحيى عن شعبة: حدثني أبو جمرة، حدثنا زهدم بن مضرب، قال: سمعت عمران بن حصين رضي الله عنهما، يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" " خيركم قرني، ثم الذين يلونهم " قال عمران: لا أدري ذكر ثنتين أو ثلاثا بعد قرنه " ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون ويخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن " "
اه من صحيح البخاري. وهو ظاهر جدا في إثم الذين لا يوفون بنذرهم، وأنهم كالذين يخونون، ولا يؤتمنون. وهذا الحديث أخرجه أيضا مسلم في صحيحه، عن عمران بن حصين. وقال النووي في شرحه لحديث عمران هذا فيه وجوب الوفاء بالنذر، وهو واجب، بلا خلاف، وإذا كان ابتداء النذر منهيا عنه: كما سبق في بابه، اه محل الغرض منه.
ولأجل هذا الإشكال المذكور اختلف العلماء في حكم الإقدام على النذر، فذهب المالكية: إلى جواز نذر المندوبات إلا الذي يتكرر دائما كصوم يوم من كل أسبوع فهو مكروه عندهم، وذهب أكثر الشافعية: إلى أنه مكروه، ونقهل بعضهم عن نص الشافعي للأحاديث الدالة على النهي عنه. ونقل نحوه عن المالكية أيضا، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد. وأشار ابن العربي إلى الخلاف عنهم، والجزم عن الشافعية بالكراهة. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقف بعضهم في صحتها، وكراهته مروية عن بعض الصحابة. اه بواسطة نقل ابن حجر في الفتح. وجزم صاحب المغني: بأن النهي عنه نهي كراهة.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر لي في طريق إزالة هذا الإشكال، الذي لا ينبغي العدول عنه: أن نذر القربة على نوعين.
أحدهما: معلق على حصول نفع كقوله: إن شفى الله مريضي، فعلي لله نذر كذا أو إن نجاني الله من الأمر الفلاني المخوف، فعلي لله نذر كذا، ونحو ذلك.