تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما ذكره النووي، عن ابن عمر ومالك: من كراهة الحجامة لغير عذر، ذكره مالك في الموطأ، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: أنه كان يقول: " لا يحتجم المحرم إلا مما لا بد منه " وفيه قال مالك: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة، ولا شك أنها إن أدت إلى قطع شعر من غير حاجة إليها أنها حرام، وإن كانت لا تؤدي إلى قطع شعر، فقد وجه المالكية كراهتها المذكورة، عن مالك وابن عمر بأمرين.

أحدهما: أن إخراج الدم من الحاج، قد يؤدي إلى ضعفه، كما كره صوم يوم عرفة للحاج، مع أن الصوم أخف من الحجامة، قالوا: فبطل الاستدلال المجيز، بأنه لم يقم دليل على تحريم إخراج الدم في الإحرام، لأنا لم نقل بالحرمة، بل بالكراهة لعلة أخرى علمت. قاله الزرقاني في شرح الموطأ.

ومرادهم أن ضعفه بإخراج الدم منه، قد يؤدي إلى عجزه عن إتمام بعض المناسك.

الأمر الثاني: هو أن الحجامة إنما تكون في العادة، بشد الزجاج ونحوه والمحرم ممنوع من العقد والشد على جسده. قاله الشيخ سند.

وقال الحطاب في شرحه لقول خليل عاطفا على ما يكره: وحجامة بلا عذر ما نصه: وأما مع العذر فتجوز، فإن لم يزل بسببها شعرا، ولم يقتل قملا فلا شيء عليه، وإن أزال بسببها شعرا: فعليه الفدية. وذكر ابن بشير قولا بسقوطها قال في التوضيح: وهو غريب، وإن قتل قملا، فإن كان كثيرا، فالفدية وإلا أطعم حفنة من طعام. والله سبحانه أعلم انتهى منه.

والقول الذي ذكره ابن بشير من المالكية واستغربه خليل في التوضيح بسقوط الفدية مطلقا. ولو أزال بسبب الحجامة شعرا له وجه من النظر، ولا يخلو عندي من قوة والله تعالى أعلم.

وإيضاح ذلك أن جميع الروايات المصرحة " بأن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في رأسه " لم يرد في شيء منها أنه افتدى لإزالة ذلك الشعر من أجل الحجامة، ولو وجبت عليه في ذلك فدية، لبينها للناس، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

والاستدلال على وجوب الفدية في ذلك بعموم قوله تعالى:

ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية

[البقرة: 196]. الآية لا ينهض كل النهوض، لأن الآية واردة في حلق جميع الرأس، لا في حلق بعضه، وقد قدمنا أن حلق بعضه: ليس فيه نص صريح.

ولذلك اختلف العلماء فيه، فذهب الشافعي: إلى أن الفدية تلزم بحلق ثلاث شعرات فصاعدا. وذهب أحمد في إحدى الروايتين إلى ذلك، وفي الأخرى: إلى لزومها بأربع شعرات، وذهب أبو حنيفة: إلى لزومها بحلق الربع، وذهب مالك: إلى لزومها بحلق ما فيه ترفه، أو إماطة أذى، وهذا الاختلاف يدل على عدم النص الصريح في حلق بعض الرأس، فلا تتعين دلالة الآية على لزوم الفدية، في من أزال شعرا قليلا، لأجل تمكن آلة الحجامة من موضع الوجع والله تعالى أعلم.

وممن قال بأن إزالة الشعر عن موضع الحجامة: لا فدية فيه: محمد وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة بل قالا: في ذلك صدقة، وقد قدمنا مرارا: أن الصدقة عندهم نصف صاع من بر أو صاع كامل من غيره كتمر وشعير.

والحاصل: أن أكثر أهل العلم منهم الأئمة الأربعة، على أنه إن حلق الشعر لأجل تمكن آلة الحجامة، لزمته الفدية على التفصيل المتقدم في قدر ما تلزم به الفدية، من حلق الشعر كما تقدم إيضاحه. وأن عدم لزومها عندنا له وجه من النظر قوي، وحكاه ابن بشير من المالكية. وأما إن لم يحلق بالحجامة شعرا، فقد قدمنا قريبا أقوال أهل العلم فيها، وتفصيلهم بين ما تدعو إليه الضرورة، وبين غيره. والعلم عند الله تعالى.

واستدل أهل العلم بأحاديث الحجامة المذكورة، على جواز الفصد، وربط الجرح، والدمل، وقلع الضرس، والختان: وقطع العضو، وغير ذلك من وجوه التداوي، إذا لم يكن في ذلك محظور: كالطيب، وقطع الشعر.

وأما الحك فإن كان في موضع لا شعر فيه فلا ينبغي أن يختلف في جوازه، وإن كان في موضع فيه شعر كالرأس، وكان برفق بحيث لا يحصل به نتف بعض الشعر فكذلك، وإن كان بقوة بحيث يحصل به نتف بعض الشعر، فالظاهر أنه لا يجوز.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٣١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٣١٢