وقد تقرر في الأصول أن المانع بالنسبة إلى الابتداء والدوام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: هو المانع للدوام والابتداء معا كالرضاع، فإن الرضاع مانع من ابتداء عقد النكاح كما أنه أيضا مانع من الدوام عليه فلو تزوج رضيعة، غير محرم منه في حال العقد، ثم أرضعتها أمه بعد العقد فإن هذا الرضاع الطارئ على عقد النكاح مانع من الدوام عليه، لوجوب فسخ ذلك النكاح بذلك الرضاع الطارئ عليه، وكالحدث فإنه مانع من ابتداء الصلاة، مانع من الدوام عليها إذا طرأ في أثنائها.
والثاني: هو المانع للدوام فقط دون الابتداء، كالطلاق فإنه مانع من الدوام على العقد الأول، والاستمتاع بالزوجة بموجبه، وليس مانعا من ابتداء عقد جديد والاستمتاع بها بموجبه.
والثالث: هو المانع من الابتداء فقط، دون الدوام، كالنكاح بالنسبة إلى الإحرام، فإن الإحرام مانع من ابتداء العقد، وليس مانعا من الدوام على عقد كان قبله، كالاستبراء، فإنه مانع من النكاح في حال الاستبراء، وليس مانعا من الدوام على النكاح، لأن الزوج إذا وطئت امرأته بشبهة، فلزمها الاستبراء بذلك فإن ذلك لا يمنع من الدوام، على عقد زواجها الأول، قالوا: ومن هذا الطيب فإن الإحرام مانع من ابتدائه، وليس مانعا من الدوام عليه، كالنظائر المذكورة وإلى تعريف المانع وأقسامه، أشار في المراقي بقوله:
ما من وجوده يجيء العدم
ولا لزوم في انعدام يعلم
بمانع يمنع للدوام
والابتدا أو آخر الأقسام
أو أول فقط على نزاع
كالطول الاستبراء والرضاع
هذا هو حاصل أقوال العلماء ومناقشتها.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم عندي في هذه المسألة: أن الطيب جائز عند إرادة الإحرام، ولو بقيت ريحه بعد الإحرام، لحديث عائشة المتفق عليه، ولإجماع أهل العلم على أنه آخر الأمرين، والأخذ بآخر الأمرين أولى كما هو معلوم.
وقد علمت الأدلة على أنه ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم فحديث عائشة في حجة الوداع عام عشر، وحديث يعلى عام الفتح، وهو عام ثمان فحديث عائشة بعد حديث يعلى بسنتين، هذا ما ظهر، والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
أظهر قولي أهل العلم عندي: إنه إن طيب ثوبه قبل الإحرام فله الدوام على لبسه كتطييب بدنه، وأنه إن نزع عنه ذلك الثوب المطيب بعد إحرامه، فليس له أن يعيد لبسه فإن لبسه صار كالذي ابتدأ الطيب في الإحرام، فتلزمه الفدية، وكذلك إن نقل الطيب الذي تلبس به قبل الإحرام، من موضع من بدنه إلى موضع آخر بعد الإحرام، فهو ابتداء تطيب في ذلك الموضع، الذي نقله إليه، وكذلك إن تعمد مسه بيده أو نحاه من موضعه، ثم رده إليه، لأن كل تلك الصور فيها ابتداء تلبس جديد بعد الإحرام بالطيب، وهو لا يجوز. أما إن كان قد عرق فسال الطيب من موضعه إلى موضع آخر فلا شيء عليه في ذلك، لأنه ليس من فعله.
ولحديث عائشة: عند أبي داود الذي ذكرناه قريبا. وقال بعض علماء المالكية: ولا فرق في ذلك، بين أن يكون الطيب في بدنه، أو ثوبه، إلا أنه إذا نزع ثوبه لا يعود إلى لبسه، فإن عاد فهل عليه في العود فدية، يحتمل أن نقول: لا فدية، لأن ما فيه قد ثبت له حكم العفو كما لو لم ينزعه. وقال أصحاب الشافعي: تجب عليه الفدية، لأنه لبس جديد وقع بثوب مطيب. انتهى من الحطاب والعلم عند الله تعالى.
الفرع السابع عشر: في أحكام أشياء متفرقة: كالنظر في المرآة للمحرم، وغسل الرأس، والبدن وما يلزم من قتل بغسله رأسا قملا، والحجامة، وحك الجسد، والرأس وتقريد البعير، وتضميد العين بالصبر ونحوه، والسواك. أما النظر في المرآة: فالظاهر أنه لا بأس به للمحرم، ولم يرد شيء يدل على النهي عنه فيما أعلم.
وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب الطيب عند الإحرام، وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجل، ويدهن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يشم المحرم الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن، وقال عطاء: يتختم ويلبس الهميان، وطاف ابن عمر رضي الله عنهما، وهو محرم، وقد حزم على بطنه بثوب، ولم تر عائشة رضي الله عنها بالتبان بأسا للذين يرحلون هودجها انتهى منه.