تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويؤيده ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا الحسين بن الجنيد الدامغاني:

" ثنا أبو أسامة، قال: أخبرني عمر بن سويد الثقفي، قال: حدثتني عائشة بنت طلحة: أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حدثتها قالت: " كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة. فنضمد جباهنا بالسك المطيب، عند الإحرام، فإذا عرفت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ينهانا "

ا ه منه والسك بضم السين، وتشديد الكاف: نوع من الطيب، يضاف إلى غيره من الطيب، ويستعمل.

وقال الشوكاني في نيل الأوطار في حديث أبي داود هذا: سكت عنه أبو داود، والمنذري، وإسناده رواته ثقات إلا الحسين بن الجنيد شيخ أبي داود وقد قال النسائي، لا بأس به، وقال ابن حبان في الثقات: مستقيم الأمر فيما يروى ا ه. وقال فيه ابن حجر في التقريب: لا بأس به، وقال فيه: في تهذيب التهذيب: قال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال من أهل سمغان: مستقيم الأمر فيما يروي.

قلت: وقال أحمد بن حمدان العابدي، ثنا الحسين بن الجنيد، وكان رجلا صالحا وقال: مسلمة بن القاسم ثقة ا ه منه.

وبما ذكرنا: تعلم أن حديث عائشة المذكور عند أبي داود أقل درجاته أنه حسن، وقال فيه النووي في شرح المهذب: هذا حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد حسن ا ه منه، وهو حجة في جواز بقاء عين الطيب في المحرم بعد الإحرام، إن كان استعماله للطيب، قبل الإحرام.

قال في القاموس: والسك بالضم طيب، يتخذ من الرامك مدقوقا منخولا معجونا بالماء، ويعرك شديدا، ويمسح بدهن الخيري لئلا يلصق بالإناء، ويترك ليلة ثم يسحق المسك ويلقمه ويعرك شديدا، ويقرص، ويترك يومين، ثم يثقب بمسلة وينظم في خيط قتب، ويترك سنة، وكلما عتق طابت رائحته اه منه. وقال أيضا: والرامك كصاحب: شيء أسود يخلط بالمسك، ويفتح انتهى منه. ولا يخفى أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كن يضمدن به جباههن في حال كونه معجونا، قبل أن يقرص ويجف.

وقال ابن منظور في اللسان: والسك ضرب من الطيب يركب من مسك ورامك، وقال في اللسان أيضا ابن سيده: والرامك والرامك، والكسر أعلى، شيء أسود كالقار يخلط بالمسك فيجعل سكا قال:

إن لك الفضل على صحبتي

والمسك قد يستصحب الرامكا

وأجابوا عن كون التطيب المذكور خاصا به صلى الله عليه وسلم: بأن حديث عائشة هذا نص في عدم خصوص ذلك به صلى الله عليه وسلم، وعضدوه بالآثار المروية، عن بعض الصحابة كما تقدم، عن ابن عباس، وابن الزبير قالوا: وإنكار عمر وعثمان لا يعارض به الصحيح المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن سنته أولى بالاتباع، من قول كل صحابي، مع أنهم خالفهم بعض الصحابة.

وقد ثبت في صحيح مسلم: أن عائشة أنكرت ذلك على ابن عمر رضي الله عنهم. وأجابوا عن كون حديث يعلى، كالعموم القولي، فلا يعارضه فعله صلى الله عليه وسلم، بل يخصص به بما ذكرناه آنفا من الأدلة، على أن ذلك الفعل الذي هو التطيب قبل الإحرام، ليس خاصا به كما دل عليه حديث عائشة المذكور آنفا.

وقولها في الصحيح: " طيبته بيدي هاتين ". صريح في أنها شاركته في ملابسة ذلك الطيب كما ترى.

وأجابوا عن كون حديث يعلى: دالا على المنع، وحديث عائشة: دالا على الجواز. والدال على المنع مقدم على الدال على الجواز، بأن محل ذلك فيما إذا جهل المتقدم منهما. أما إذا علم المتقدم، فإنه يجب الأخذ بالمتأخر لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث، فالأحدث وقصة يعلى، وقعت بالجعرانة عام ثمان بلا خلاف، وحديث عائشة في حجة الوداع، عام عشر ومن المقرر في الأصول أن النصين، إذا تعارضا وعلم المتأخر منهما فهو ناسخ للأول كما هو معلوم في محله. وأجابوا عن كون الدوام على الطيب كابتدائه بأنه منتقض بالنكاح، فإن ابتداء عقده في حال الإحرام ممنوع عند الجمهور كما تقدم إيضاحه خلافا لأبي حنيفة، مع الإجماع على جواز الدوام على نكاح، وقع عقده قبل الإحرام، ثم أحرم بعد عقده الزوجان، وهو دليل على أنه ما كل دوام كالابتداء.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٣٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٣٠٦