تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال صاحب المغني: ولنا أنه أزال ما منع إزالته لأجل الترفه، فوجبت عليه الفدية كحلق الشعر، وعدم النص فيه، لا يمنع قياسه. كشعر البدن مع شعر الرأس، والحكم في فدية الأظفار كالحكم في فدية الشعر سواء في أربعة منها: دم. وعنه في ثلاثة: دم، وفي الظفر الواحد: مد من طعام وفي الظفرين: مدان على ما ذكرنا من التفصيل والاختلاف فيه. وقول الشافعي وأبي ثور كذلك انتهى محل الغرض منه.

وإذا عرفت مذاهب الأئمة في حكم قص المحرم أظفاره، وما يلزمه في ذلك فاعلم أني لا أعلم لأقوالهم مستندا من النصوص، إلا ما ذكرنا عن ابن المنذر، من الإجماع على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، أما لزوم الفدية، فلم يدع فيه إجماعا، وإلا ما جاء عن بعض السلف من الصحابة التابعين، من تفسير آية الحج، فإنه يدل على منع المحرم من أخذ أظفاره كمنعه من حلق شعره حتى يبلغ الهدي محله، والآية المذكورة هي قوله تعالى:

ثم ليقضوا تفثهم

[الحج: 29] الآية.

قال صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور: وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ قال: " يعني بالتفث: وضع إحرامهم من حلق الرأس، ولبس الثياب، وقص الأظفار، ونحو ذلك ".

وقال أيضا: وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن كعب قال: التفث: حلق العانة ونتف الإبط، والأخذ من الشارب، وتقليم الأظفار ا ه. ونحو هذا كثير في كلام المفسرين وإن فسر بعضهم الآية بغيره.

وعلى التفسير المذكور فالآية تدل على: أن الأظفار كالشعر بالنسبة إلى المحرم، ولا سيما أنها معطوفة بثم على نحر الهدايا لأن الله تعالى قال

ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام

[الحج: 28] والمراد بذكر اسمه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام: التسمية عند نحر الهدايا والضحايا، ثم رتب على ذلك قوله

ثم ليقضوا تفثهم

[الحج: 29] فدل على أن الحلق وقص الأظافر، ونحو ذلك، ينبغي أن يكون بعد النحر كما قال تعالى:

ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله

[البقرة: 196] وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم: أن من حلق قبل أن ينحر لا شيء عليه. كما بيناه موضحا في سورة البقرة في الكلام على قوله

فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي

[البقرة: 196] ويؤيد التفسير المذكور الدال على ما ذكرنا كلام أهل اللغة.

قال الجوهري في صحاحه: التفث في المناسك: ما كان من نحو قص الأظفار، والشارب وحلق الرأس، والعانة، ورمي الجمار، ونحر البدن، وأشباه ذلك. قال أبو عبيدة: ولم يجئ فيه شعر يحتج به ا ه منه.

قال صاحب القاموس: التفث محركة في المناسك: الشعث، وما كان من نحو قص الأظفار، والشارب، وحلق العانة، وغير ذلك. وككتف الشعث والمغبر ا ه.

وقال صاحب اللسان: التفث: نتف الشعر وقص الأظفار. الخ.

وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره في الكلام على معنى التفث. قال ابن العربي: وهذه اللفظة غريبة لم يجد أهل العربية فيها شعرا، ولا أحاطوا بها خبرا، لكني تتبعت التفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قال: إنه قص الأظفار وأخذ الشارب، وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح، ولم يجئ فيه شعر يحتج به.

وقال صاحب العين: التفث: هو الرمي والحلق، والتقصير، والذبح، وقص الأظفار، والشارب، والإبط. وذكر الزجاج والفراء نحوه، ولا أراهم أخذوه إلا من قول العلماء، وقال قطرب: تفث الرجل: إذا كثر وسخه. قال أمية بن أبي الصلت:

حلقوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا

ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا

وما أشار إليه قطرب هو الذي قاله ابن وهب عن مالك، وهو الصحيح في التفث، وهذه صورة إلقاء التفث لغة، إلى أن قال: قلت ما حكاه عن قطرب، وذكر من الشعر قد ذكره في تفسيره الماوردي، وذكر بيتا آخر فقال:

قضوا تفثا ونحبا ثم ساروا

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٨٣