تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن قدامة في المغني أيضا: وإن حلق من رأسه شعرتين، ومن بدنه شعرتين فعليه دم واحد هذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي الخطاب، ومذهب أكثر الفقهاء. ومذهب مالك في هذه المسألة: أن شعر البدن كشعر الرأس فإن حلق من شعر بدنه ما فيه ترفه، أو إماطة أذى: لزمته الفدية، وإلا فالتصدق بحفنة بيد واحدة.

وسئل مالك: عن المحرم يتوضأ فيمر يديه على وجهه، أو يخلل لحيته في الوضوء، أو يدخل يده في أنفه لمخاط ينزعه، أو يمسح رأسه أو يركب دابته، فيحلق ساقه إلا كاف أو السرج؟ قال مالك: ليس عليه في ذلك كله شيء، وهذا خفيف، ولا بد للناس منه انتهى بواسطة نقل أبي الخطاب في كلامه على قول خليل، وتساقط شعر لوضوء أو ركوب ا ه.

وإذا علمت أقوال الأئمة رحمهم الله في شعر الجسد. فاعلم أني لا أعلم لشيء منها مستندا من نص كتاب، أو سنة.

والأظهر أنهم قاسوا شعر الجسد على شعر الرأس، بجامع أن الكل قد يحصل بحلقه الترفه، والتنظف، والظاهر أن اجتهادهم في حلق بعض شعر الرأس يشبه بعض أنواع تحقيق المناط، والعلم عند الله تعالى.

الفرع الثالث عشر في حكم قص المحرم أظافره أو بعضها:

وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فالصحيح من مذهب مالك: أنه إن قلم ظفرين فصاعدا: لزمته الفدية مطلقا، وإن قلم ظفرا واحدا، لإماطة أذى عنه: لزمته الفدية أيضا، وإن قلمه لا لإماطة أذى: لزمه إطعام حفنة بيد واحدة.

قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره: وفي الظفر الواحد لا لإماطة الأذى حفنة، ما نصه: أما لو قلم ظفرين فلم أر في ابن عبدالسلام والتوضيح، وابن فرحون في شرحه، ومناسكه وابن عرفة، والتادلي، والطراز وغيرهم خلافا في لزوم الفدية، ولم يفصلوا كما فصلوا في الظفر الواحد والله أعلم انتهى منه.

ولا ينبغي أن يختلف في أن الظفر إذا انكسر جاز أخذه، ولا شيء فيه، لأنه بعد الكسر لا ينمو فهو كحطب شجر الحرم. والله أعلم.

ومذهب الشافعي وأصحابه: أن حكم الأظفار كحكم الشعر، فإن قلم ثلاثة أظفار، فصاعدا، فعليه الفدية كاملة، وأظفار اليد والرجل في ذلك سواء، وإن قلم ظفرا واحدا أو ظفرين ففيه الأقوال الأربعة فيمن حلق شعرة واحدة أو شعرتين، وقد قدمنا أن أصحها عندهم أن في الشعرة: مدا، وفي الشعرتين: مدين، وباقي الأقوال المذكورة موضح قريبا ومذهب الإمام أحمد في الأظفار كمذهبه في الشعر، ففي أربعة أظفار، أو ثلاثة على الرواية الأخرى: فدية كاملة، وحكم الظفر الواحد كحكم الشعرة الواحدة، وحكم الظفرين كحكم الشعرتين.

وقد تقدم موضحا قريبا.

ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة: أنه لو قص أظفار يديه ورجليه جميعا بمجلس واحد، أو قص أظفار يد واحدة كاملة في مجلس، أو رجل كذلك لزمه الدم، وإن قطع مثلا خمسة أظفار ثلاثة من يد واثنان من رجل، أو يد أخرى، أو عكس ذلك: فعليه الصدقة: هي نصف صاع من بر عن كل ظفر، والمعروف عند الحنفية في باب الفدية: أن ما كان لعذر ففيه فدية الأذى المذكورة في الآية، وما كان لغير عذر ففيه الدم كما تقدم. أما لو قص أظفار إحدى يديه، أو رجليه في مجلس، والأخرى في مجلس آخر، فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: يتعدد الدم، حتى إنه يمكن أن تلزمه أربعة دماء للرجلين واليدين، إذا كانت كل واحدة في مجلس، وعند محمد: لا يلزمه إلا دم واحد، ولو تعددت المجالس إلا إذا تخللت الكفارة بينهم، وقد علمت أنه لو قص أظافر أكثر من خمسة متفرقة من الرجلين واليدين: ليس عليه إلا الصدقة عندهم.

وقال زفر: يجب الدم بقص ثلاثة أظفار من اليد أو من الرجل، وهو قول أبي حنيفة الأول، بناء على اعتبار الأكثر، والثلاثة أكثر من الباقي بعدها بالنسبة إلى الخمسة.

وقال ابن قدامة في المغني: قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم، وهو قول حماد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن عطاء، وعنه لا فدية عليه، لأن الشرع لم يرد فيه بفدية، ولم يعتبر ابن المنذر في حكايته الإجماع قول داود الظاهري: إن المحرم له أن يقص أظفاره، ولا شيء عليه لعدم النص، وفي اعتبار داود في الإجماع خلاف معروف، والأظهر عند الأصوليين اعتباره في الإجماع. والله تعالى أعلم.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٨٢