تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن قدامة في المغني: في مذهب أحمد في هذه المسألة: ما نصه: وإذا كانت المرأة مكرهة على الجماع، فلا هدي عليها، ولا على الرجل أن يهدي عنها نص عليه أحمد لأنه جماع يوجب الكفارة، فلم يجب به حال الإكراه أكثر من كفارة واحدة كما في الصيام، وهذا قول إسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر.

وعن أحمد رواية أخرى: أن عليه أن يهدي عنها، وهو قول عطاء، ومالك، لأن إفساد الحج وجد منه في حقها، فكان عليه لإفساده حجها هدي قياسا على حجه، وعنه ما يدل على أن الهدي عليها، لأن فساد الحج ثبت بالنسبة إليها، ويحتمل أنه أراد أن الهدي عليها، ويتحمله الزوج عنها، فلا يكون رواية ثالثة.

انتهى منه.

وفي مذهب الشافعي في هذه المسألة وجهان، الأصح منهما عند أصحاب الشافعي: وجوب ذلك على الزوج كما بينه النووي في شرح المهذب. أما إن كانت مطاوعة له، فالأظهر أن على كل واحد منهما تكاليف حجة القضاء، وكل ما سببه الوطء المذكور لأنهما سواء فيه، ولا ينبغي العدول عن ذلك.

الفرع الحادي عشر: اعلم أنا قدمنا أن من أفسد حجه أو عمرته، لزمه القضاء، وقد بينا أن الصحيح وجوبه على الفور لا على التراخي، وسواء في ذلك كان الحج والعمرة فرضا أو نفلا، لأن النفل منهما يصير فرضا بالشروع فيه، وقد أردنا أن نبين في هذا الفرع أنه لو أحرم بالقضاء، فأفسده أيضا بالجماع، لزمته الكفارة ولزمه قضاء واحد، ولو تكرر ذلك منه مائة مرة، ويقع القضاء عن الحج الأول أي الذي أفسده أولا، والعلم عند الله تعالى.

الفرع الثاني عشر: قد قدمنا أن مما يمنع بسبب الإحرام، حلق شعر الرأس لقوله تعالى

ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله

[البقرة: 196] فإن حلق شعر رأسه لأجل مرض، أو أذى ككثرة القمل في رأسه، فقد نص تعالى على ما يلزمه بقوله

ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك

[البقرة: 196].

وهذه الآية الكريمة نزلت في كعب بن عجرة رضي الله عنه، والتحقيق الذي لا شك فيه: أن الثلاثة المذكورة في الآية على سبيل التخيير بينها لأن لفظة أو في قوله

ففدية من صيام أو صدقة أو نسك

[البقرة: 196] حرف تخيير، والتحقيق أن الصيام المذكور ثلاثة أيام، وأن الصدقة المذكورة ثلاثة آصع بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وما سوى هذا فهو خلاف التحقيق.

وقد روى الشيخان في صحيحيهما،

" عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: " ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟ قلت: لا. فنزلت الآية ﴿ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ [البقرة:196] قال: هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين نصف صاع نصف صاع طعاما لكل مسكين " وفي رواية " أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية فقال: كأن هوام رأسك تؤذيك؟ فقلت: أجل. قال: فاحلقه، واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين " رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود، ولأبي داود في رواية " فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، فرقا من زبيب، أو انسك شاة فحلقت رأسي ثم نسكت " وفي رواية عند البخاري، عن كعب بن عجرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لعلك آذاك هوامك؟ قال: نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة "

وفي رواية عند البخاري أيضا،

" عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال " وقف علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية، ورأسي يتهافت قملا فقال: يؤذيك هوامك؟ قلت: نعم. قال: فاحلق رأسك، أو احلق قال: في نزلت هذه الآية ﴿ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ﴾ [البقرة: 196] إلى آخرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق بين ستة، أو انسك بما تيسر " وفي رواية عند البخاري أيضا " فأنزل الله الفدية، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يطعم فرقا بين ستة أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام " "

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٧٨