تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الموطأ قال مالك: في رجل وقع بامرأته في الحج ما بينه، وبين أن يدفع من عرفة، ويرمي الجمرة أنه يجب عليه الهدي وحج قابل، قال: فإن كانت إصابته أهله بعد رمي الجمرة، فإنما عليه أن يعتمر ويهدي، وليس عليه حج قابل ا ه.

ونقل البابجي عن مالك: أن محل فساد الحج بالجماع قبل الرمي والإفاضة وبعد الوقوف بعرفة، فيما إذا كان الوطء واقعا يوم النحر، أما إن أخر رمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة معا عن يوم النحر، وجامع قبلهما، فلا يفسد حجه: وعليه عمرة وهديان: هدي لوطئه، وهدي لتأخير رمي الجمرة انتهى منه بواسطة نقل المواق في شرحه لمختصر خليل في الكلام على قوله: والجماع ومقدماته، وأفسد مطلقا كاستدعاء مني، وإن بنظر قبل الوقوف مطلقا، إن وقع قبل إفاضة وعقبه يوم النحر أو قبله وإلا فهدي ا ه.

فتحصل: أن الجماع قبل الوقوف بعرفات مفسد للحج، عند الأئمة الأربعة وبعد التحلل الأول، وقبل الثاني: لا يفسد الحج عند الأربعة.

وقد عرفت ما قدمنا ما يقع به التحلل عند كل واحد منهم، وإن وقع بعد الوقوف بعرفة، وقبل التحلل: أفسد عند الثلاثة، خلافا لأبي حنيفة كما تقدم إيضاحه قريبا.

وإذا عرفت أقوال أهل العلم في الجماع، فاعلم أنهم متفقون على أن مقدمات الجماع كالقبلة والمفاخذة، واللمس بقصد اللذة حرام على المحرم.

ولكنهم اختلفوا فيما يلزمه لو فعل شيئا من ذلك: فمذهب مالك وأصحابه: أن كل تلذذ بمباشرة المرأة من قبلة، أو غيرها، إذا حصل معه إنزال أفسد الحج. وقد بينا قريبا ما يلزم من أفسد حجه حتى إنه لو أدام النظر بقصد اللذة فأنزل: فسد عند مالك حجه ولو أنزل بسبب النظرة الأولى من غير إدامة: لم يفسد حجه عند مالك، وعليه الهدي. أما إذا تلذذ بالمرأة بما دون الجماع، ولم ينزل فإن كان بتقبيل الفم: فعليه هدي، والقبلة حرام على المحرم مطلقا عند مالك، وأما إن كان بغير القبلة كاللمس باليد، فهو ممنوع إن قصد به اللذة، وإن لم يقصدها به، فليس بممنوع، ولا هدي فيه ولو قصد به اللذة وإنما عليه الإثم إلا إذا حصل بسببه مذي فيلزم فيه الهدي ومحل هذا عندهم في غير الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة ففيها الهدي.

فتحصل: أن مذهب مالك فساد الحج بمقدمات الجماع، إن أنزل، وإن لم ينزل ففي القبلة خاصة مطلقا: هدي وكذلك كل تلذذ خرج بسببه مذي، وكذلك الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة وما عدا ذلك من التلذذ، فليس فيه إلا التوبة والاستغفار، ولا يفسد الحج عنده إلا بالجماع، أو الإنزال. ومذهب أبي حنيفة رحمه الله: أن التلذذ بما دون الجماع كالقبلة، واللمس بشهوة، والمفاخذة ونحو ذلك، يلزم بسببه دم، وسواء عنده في ذلك أنزل أو لم ينزل، ولو ردد النظر إلى امرأته حتى أمنى، فلا شيء عليه عند أبي حنيفة.

ومذهب الشافعي رحمه الله: هو أنه إن باشر امرأته فيما دون الفرج بشهوة أو قبلها بشهوة: أن عليه فدية الأذى والاستمناء عنده كالمباشرة فيما دون الفرج. وصحح بعض الشافعية: أن عليه شاة، ولو ردد النظر إلى امرأته، حتى أمنى، فلا شيء عليه عند الشافعي. ومذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه إن وطئ فيما دون الفرج، ولم ينزل: فعليه دم، وإن أنزل: فعليه بدنة. وفي فساد حجه روايتان:

إحداهما: أنه إن أنزل فسد حجه، وعليه بدنة وبها جزم الخرقي.

وقال في المغني: في هذه الرواية اختارها الخرقي وأبو بكر، وهو قول عطاء والحسن، والقاسم بن محمد، ومالك، وإسحاق.

والرواية الثانية: أنه إن أنزل فعليه بدنة، ولا يفسد حجه.

وقال ابن قدامة في المغني: في هذه الرواية: وهي الصحيحة، إن شاء الله، لأنه استمتاع لا يجب بنوعه حد فلم يفسد الحج كما لو لم ينزل، ولأنه لا نص فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه. انتهى محل الغرض منه.

وما ذكرنا عن أحمد: من أنه إن أنزل تلزمه بدنة: أي سواء قلنا بفساد الحج، أو عدم فساده، وممن قال بلزوم البدنة في ذلك: الحسن وسعيد بن جبير، والثوري، وأبو ثور، كما نقله عنهم صاحب المغني. وإن قبل امرأته، ولم ينزل أو أنزل جرى على حكم الوطء فيما دون الفرج، وقد أوضحناه قريبا.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٧٣