الفرع الرابع: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن للشاهد المحرم، أن يشهد على عقد نكاح، لأن الشاهد لا يتناوله حديث
" لا ينكح المحرم ولا ينكح "
لأن عقد النكاح بالإيجاب والقبول والشاهد لا صنع له في ذلك، وخالف في ذلك أبو سعيد الاصطخري من الشافعية، قائلا: إن شهادة الشاهد ركن في العقد، فلم تجز في حال الإحرام كالولي، وكره بعض أهل العلم للمحرم أن يشهد على النكاح.
الفرع الخامس: الأظهر عندي: أن المحرم لا يجوز له أن يخطب امرأة، وكذلك المحرمة، لا يجوز للرجل خطبتها لما تقدم من حديث عثمان، عند مسلم:
" لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب "
فالظاهر أن حرمة الخطبة كحرمة النكاح، لأن الصيغة فيهما متحدة، فالحكم بحرمة أحدهما دون الآخر، يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل عليه. والظاهر من الحديث حرمة النكاح وحرمة وسيلته التي هي الخطبة كما تحرم خطبة المعتدة.
وبه تعلم أن ما ذكره كثير من أهل العلم من أن الخطبة لا تحرم في الإحرام، وإنما تكره أنه خلاف الظاهر من النص ولا دليل عليه، وما استدل به بعض أهل العلم من الشافعية وغيرهم: على أن المتعاطفين قد يكون أحدهما مخالفا لحكم الآخر كقوله تعالى
كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده
[الأنعام: 141] الآية. قالوا: الأكل مباح وإيتاء الحق واجب، لا دليل فيه، لأن الأمر بالأكل معلوم أنه ليس للوجوب، بخلاف قوله في الحديث
" ولا يخطب "
فلا دليل على أنه ليس للتحريم كقوله قبله
" لا ينكح المحرم ".
الفرع السادس: إذا وقع عقد النكاح في حال إحرام أحد الزوجين أو الولي، فالعقد فاسد، ولا يحتاج إفى فسخه بطلاق، كما هو ظاهر الآثار التي قدمنا، ومذهب مالك وأحمد: أنه يفسخ بطلاق مراعاة لقول من أجازه كأبي حنيفة ومن تقدم ذكرهم.
الفرع السابع: أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه إذا وكل حلال حلالا في التزويج، ثم أحرم أحدهما أو المرأة أن الوكالة لا تنفسخ بذلك، بل له أن يزوج بعد التحلل بالوكالة السابقة خلافا لمن قال تنفسخ الوكالة بذلك، والتحقيق أن الوكيل إذا كان حلالا والموكل محرما فليس للوكيل الحلال عقد النكاح، قبل تحلل موكله خلافا لمن حكى وجها بجواز ذلك، ولا شك أن تجويز ذلك غلط.
الفرع الثامن: اعلم أنا قدمنا في أول الكلام على هذه المسألة: أن الإحرام يحرم بسببه على المحرم وطء امرأته في الفرج، ومباشرتها فيما دون الفرج لقوله تعالى:
فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج
[البقرة: 197] وقد قدمنا أن الرفث شامل للجماع، ومقدماته. وقد أردنا في هذا الفرع أن نبين ما يلزمه لو فعل شيئا من ذلك، ولا خلاف بين أهل العلم: أن المحرم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفات: أن حجه يفسد بذلك، ولا خلاف بينهم أنه لا يفسد الحج من محظورات الإحرام، إلا الجماع خاصة، وإذا فسد حجه بجماعه قبل الوقوف بعرفات: فعليه إتمام حجه هذا الذي أفسده عليه قضاء الحج، وعليه الهدي، وهو عند مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعات من الصحابة بدنة، وقال أبو حنيفة: عليه شاة، وقال داود: هو مخير بين بدنة وبقرة وشاة، فإن كان جماعه بعد الوقوف بعرفات، وقبل رمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة فحجه فاسد عند مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: حجه صحيح، وعليه أن يهدي بدنة متمسكا بظاهر حديث
" الحج عرفة "
وإن كان جماعة بعد رمي جمرة العقبة، وقبل طواف الإفاضة: فحجه صحيح عند الجميع، وعند الشافعي: تلزمه فدية، وعند أبي حنيفة: إن جامع بعد الحلق: فعليه شاة، وإن جامع قبل الحلق، وبعد الوقوف: فعليه بدنة.
وعن أحمد روايتان: فيما يلزمه هل هو شاة، أو بدنة، ومذهب مالك: أن حجه صحيح، وعليه: هدي وعمرة، ووجهه عنده أن الجماع لما كان بعد التحلل الأول برمي جمرة العقبة، لم يفسد به الحج، ولكنه وقع فيه نقص بسبب الجماع قبل التحلل الثاني، فكان هذا النقص عنده يجبر بالعمرة والهدي.