لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة
[الأحزاب: 21] وهو المشرع لأمته بأقواله، وأفعاله، وتقريره صلوات الله وسلامه عليه، فلو كان تزويج المحرم حراما لما فعله صلى الله عليه وسلم واحتج الجمهور القائلون: بمنع نكاح المحرم بالأحاديث المتقدمة، قالوا: ثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
" لا ينكح المحرم ولا يخطب "
وصيغة النفي في قوله
" لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب "
يراد بها النهي كقوله تعالى
فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج
[البقرة: 197] أي لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا في الحج، وإيراد الإنشاء بصيغة الخبر أبلغ من إيراده بصيغة الإنشاء، كما هو مقرر في المعاني.
والحديث دليل صحيح من قول النبي صلى الله عليه وسلم على منع نكاح المحرم وهو معتضد بما ذكرنا معه من الأحاديث، والآثار الدالة على منع نكاح المحرم. وأجاب الجمهور القائلون: بمنع إحرام أحد الزوجين: أو الولي عقد النكاح عن حديث ابن عباس المذكور، بأجوبة.
واعلم أولا: أن المقرر في الأصول: أنه إذا اختلف نصان وجب الجمع بينها إن أمكن، وإن لم يمكن وجب الترجيح.
وإذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن من أجوبتهم عن حديث ابن عباس المذكور، أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث ميمونة، وأبي رافع
" أنه تزوجها وهو حلال "
ووجه الجمع في ذلك، هو أن يفسر قول ابن عباس: أنه تزوجها وهو محرم بأن المراد بكونه محرما كونه في الشهر الحرام، وقد تزوجها صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة عام سبع في عمرة القضاء، كما ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب: المغازي في باب عمرة القضاء.
قال بعد أن ساق حديث ابن عباس المذكور، وزاد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، وأبان بن صالح، عن عطاء، ومجاهد، عن ابن عباس قال:
" تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة في عمرة القضاء "
ا ه منه. ومعلوم أن عمرة القضاء كانت في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة من سنة سبع، ولا خلاف بين أهل اللسان العربي في إطلاق الإحرام على الدخول في حرمة لا تهتك كالدخول في الشهر الحرام، أو في الحرم أو غير ذلك.
وقال ابن منظور في اللسان: وأحرم الرجل: إذا دخل في حرمة لا تهتك، ومن إطلاق الإحرام على الدخول في الشهر الحرام، وقد أنشده في اللسان شاهدا لذلك قول زهير:
جعلن القنان عن يمين وحزنه
وكم بالقنان من محل ومحرم
وقول الآخر:
وإذ فتك النعمان بالناس محرما
فملئ من عوف بن كعب سلاسله
وقول الراعي:>
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما
ودعا فلم أر مثله مقتولا
فتفرقت من بعد ذاك عصاهم
شقفا وأصبح سيفهم مسلولا
ويروى: فلم أرد مثله مخذولا، فقوله: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما: أي في الشهر الحرام وهو ذو الحجة، وقيل المعنى: أنهم قتلوه في حرم المدينة، لأن المحرم يطلق لغة على كل داخل في حرمة لا تهتك سواء كانت زمانية، أو مكانية أو غير ذلك.
وقال بعض أهل اللغة منهم الأصمعي: إن معنى قول الراعي: محرما في بيته المذكور كونه في حرمة الإسلام، وذمته التي يجب حفظها، ويحرم انتهاكها وأنه لم يحل من نفسه شيئا يستوجب به القتل، ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير قول عدي بن زيد:
قتلوا كسرى بليل محرما
غادروه لم يمتع بكفن
يريد قتل شيرويه أبه أبرويز بن هرمز، مع أن له حرمة العهد الذي عاهدوه به، حين ملكوه عليهم، وحرمة الأبوة ولم يفعل لهم شيئا يستوجب به منهم القتل. وذلك هو مراده بقوله: محرما، وعلى تفسير قول ابن عباس: وهو محرم بما ذكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس، وبين حديث ميمونة وأبي رافع، ولو فرضنا أن تفسير حديث ابن عباس بما ذكر ليس بمتعين وليس بظاهر كل الظهور، وأن التعارض بين الحديثين باق، فالمصير إلى الترجيح إذا واجب. وحديث ميمونة وأبي رافع أرجح من حديث ابن عباس، لأن ميمونة هي صاحبة القصة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره.