تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قيل: جاء في بعض قراءات الصحابة ﴿ فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴾ كما ذكره الطبري، وابن المنذر وغيرهما، عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم.

فالجواب من وجهين:

الأول: أن هذه القراءة لم تثبت قرآنا لإجماع الصحابة على عدم كتبها في المصاحف العثمانية، وما ذكره الصحابي على أنه قرآن، ولم يثبت كونه قرآنا. ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يستدل به على شيء، وهو مذهب مالك، والشافعي، ووجهه أنه لما لم يذكره إلا لكونه قرآنا، فبطل كونه قرآنا بطل من أصله، فلا يحتج به على شيء، وقال بعض أهل العلم: إذا بطل كونه قرآنا لم يمنع ذلك من الاحتجاج به كأخبار الآحاد، التي ليست بقرآن، فعلى القول الأول: فلا إشكال، وعلى الثاني: فيجاب عنه بأن القراءة المذكورة تخالف القراءة المجمع عليها المتواترة، وما خالف المتواتر المجمع عليه إن لم يمكن الجمع بينهما فهو باطل، والنفي والإثبات لا يمكن الجمع بينهما لأنهما نقيضان.

الوجه الثاني: هو ما ذكره ابن حجر في الفتح عن الطبري والطحاوي، من أن قراءة: أن لا يطوف بهما، محمولة على القراءة المشهورة، ولا زائدة. انتهى. ولا يخلو من تكلف كما ترى.

واعلم أن قوله تعالى

ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم

[البقرة: 158] لا دليل فيه، على أن السعي تطوع، وليس بفرض، لأن التطوع المذكور في الآية راجع إلى نفس الحج والعمرة، لا إلى السعي لإجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع، والعلم عند الله تعالى.

وأما حجة من قال: السعي واجب يجبر بدم، فهي أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بينهما فدل ذلك على أن الطواف بينهما نسك، وفي الأثر المروي عن ابن عباس: من ترك نسكا فعليه دم. وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح.

فروع تتعلق بهذه المسألة

الفرع الأول: اعلم أن جمهور العلماء على أن السعي لا تشترط له طهارة الحدث، ولا الخبث، ولا ستر العورة، فلو سعى، وهو محدث أو جنب، أو سعت امرأة وهي حائض، فالسعي صحيح، ولا يبطله ذلك، وممن قال به الأئمة الأربعة، وجماهير أهل العلم، وقال الحسن: إن كان قبل التحلل تطهر وأعاد السعي، وإن كان بعده، فلا شيء عليه، وذكر بعض الحنابلة رواية عن الإمام أحمد: أن الطهارة في السعي، كالطهارة في الطواف.

قال ابن قدامة في المغني: ولا يعود عليه، والطهارة في السعي مستحبة عند كثير من أهل العلم، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد وغيرهم. وحجة الجمهور على أن السعي لا تشترط له الطهارة: هي ما تقدم من حديث عائشة المتفق عليه، وقد أمرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور: أن تفعل كل ما يفعله الحاج، وهي حائض إلا الطواف بالبيت خاصة. وهو دليل على أن السعي لا تشترط له الطهارة، خلافا لمن قال: لا دليل في الحديث، لأن السعي لا يصح إلا بعد طواف، والحيض مانع من الطواف، وهو مردود بأن النفي والإثبات نص في أن غير الطواف يصح من الحائض ويدخل فيه السعي.

وقال ابن قدامة في المغني: قال أبو داود: سمعت أحمد، يقول: إذا طافت المرأة بالبيت، ثم حاضت سعت بين الصفا والمروة ثم نفرت. وروي عن عائشة، وأم سلمة أنهما قالتا: إذا طافت المرأة بالبيت، وصلت ركعتين، ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة، رواه الأثرم. وقال ابن قدامة أيضا: ولأن ذلك عبادة لا تتعلق بالبيت، فأشبهت الوقوف. انتهى منه.

وقال أيضا في المغني: ولا يشترط أيضا الطهارة من النجاسة ولا الستارة للسعي، لأنه إذا لم تشترط له الطهارة من الحدث وهي آكد فغيرها أولى.

الفرع الثاني: اعلم أن جمهور أهل العلم يشترطون في السعي الترتيب، وهو أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، فإن بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط، وممن قال باشتراط الترتيب: مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، والحسن البصري، والأوزاعي، وداود، وجمهور العلماء، وعن أبي حنيفة خلاف في ذلك.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢١٨