وافعل لدى الأكثر للوجوب
وقيل للندب أو المطلوب
وقيل للوجوب أمر الرب
وأمر من أرسله للندب
ومفهم الوجوب يدري الشرع
أو الحجا أو المفيد الوضع
وقال بعض أهل العلم: إن دلالة اللغة على اقتضاء الأمر الوجوب راجعة إلى دلالة الشرع، لأن الشرع هو الذي دل على وجوب طاعة العبد لسيده.
ومن أدلتهم على أن السعي بين الصفا والمروة لا بد منه: ما قدمنا من حديث ابن عمر عند الترمذي، أنه صلى الله عليه وسلم قال
" من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعا "
قال المجد في المنتقى: رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب، وفيه دليل على وجوب السعي، ووقوف التحلل عليه. انتهى منه.
والذي رأيته في الترمذي لما ساق الحديث بلفظه المذكور: هو أنه قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح، تفرد به الداوردي على ذلك اللفظ، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر، ولم يرفعوه. وهو أصح. انتهى منه.
ومن أدلتهم على ذلك: ما جاء في بعض الروايات الثابتة في الصحيح، من أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها
" يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك "
وهذا اللفظ في صحيح مسلم، قالوا: ويفهم من قوله
" يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك "
أنها لو لم تطف بينهما لم يحصل لها أجزاء عن حجها وعمرتها، هذا هو حاصل ما استدل به القائلون بأنه ركن من أركان الحج والعمرة.
وأما حجة الذين قالوا: إنه سنة لا يجب بتركه شيء، فهي قوله تعالى
إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم
[البقرة: 158] قالوا: فرفع الجناح في قوله ﴿ فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴾ دليل قرآني على عدم الوجوب، كما قاله عروة بن الزبير، لخالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
والجواب عن الاستدلال بهذه الآية على عدم وجوب السعي: هو ما أجابت به عائشة عروة، فإنها أولا ذمت هذا التفسير لهذه الآية بقولها: بئس ما قلت يا ابن أختي، ومعلوم أن لفظة بئس فعل جامد لإنشاء الذم، وما ذمت تفسير الآية بما ذكر، إلا لأنه تفسير غير صحيح، وقد بينت له أن الآية نزلت جوابا لسؤال من ظن أن في السعي بين الصفا والمروة جناحا، وإذا فذكر رفع الجناح لمطابقة الجواب للسؤال، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق، فلو سألك سائل مثلا قائلا: هل علي جناح في أن أصلي الخمس المكتوبة؟ وقلت له: لا جناح عليك في ذلك، لم يلزم من ذلك أنك تقول: بأنها غير واجبة، وإنما قلت: لا جناح في ذلك، ليطابق جوابك السؤال، وقد دلت قرينتان على أنه ليس المراد رفع الجناح، عمن لم يسع بين الصفا والمروة.
الأول منهما: أن الله قال في أول الآية
إن الصفا والمروة من شعآئر الله
[البقرة: 158] وكونهما من شعائر الله، لا يناسبه تخفيف أمرهما برفع الجناح عمن لم يطف بينهما، بل المناسب لذلك تعظيم أمرهما، وعدم التهاون بهما، كما أوضحناه في أول هذا المبحث.
والقرينة الثانية: هي أنه لو أراد ذلك المعنى لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، كما قالت عائشة لعروة، وقد تقرر في الأصول: أن اللفظ الوارد جوابا لسؤال لا مفهوم مخالفة له، لأن المقصود به مطابقة الجواب للسؤال، لا إخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وقد أوضحنا هذا في سورة البقرة في الكلام على آية الطلاق، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما يمنع اعتبار دليل الخطاب، أعني مفهوم المخالفة:
أو جهل الحكم أو النطق انجلب
للسؤل أو جرى على الذي غلب
ومحل الشاهد منه قوله: أو النطق انجلب للسؤل.
ومعنى ذلك: أن المنطوق إذا كان جوابا لسؤال فلا مفهوم مخالفة له، لأن المقصود بلفظ المنطوق مطابقة الجواب للسؤال، لا إخراج المفهوم عن حكم المنطوق.