وقال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: وأما من قال: إنه حج قارنا قرانا طاف له طوافين وسعى سعيين، كما قاله كثير من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدارقطني من حديث مجاهد، عن ابن عمر: أنه جمع بين حج وعمرة معا وقال: سبيلهما واحد، قال: وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع، كما صنعت. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه جمع بينهما، وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت. وعن علي رضي الله عنه أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا، فطاف طوافين، وسعى سعيين، وعن علقمة عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لحجته وعمرته طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود. وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طوافين، وسعى سعيين، وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث صحيحة، بل لا يصح منها حرف واحد.
أما حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عمارة، وقال الدارقطني: لم يروه عن الحكم، غير الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث. وأما حديث علي الأول ففيه حفص بن أبي داود، وقال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث. وقال ابن خراش: هو كذاب يضع الحديث، وفيه محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى ضعيف. وأما حديثه الثاني: فيرويه عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده قال الدارقطني: عيسى بن عبدالله يقال له مبارك، وهو متروك الحديث. وأما حديث علقمة، عن عبدالله فيرويه أبو بردة عمرو بن يزيد عن حماد عن إبراهيم، عن علقمة. قال الدارقطني وأبو بردة ضعيف، ومن دونه في الإسناد ضعفاء. انتهى. وفيه عبدالعزيز بن أبان. قال يحيى: هو كذاب خبيث، وقال الرازي والنسائي: متروك الحديث. وأما حديث عمران بن حصين: فهو مما غلط فيه محمد بن يحيى الأزدي وحدث به من حفظه فوهم فيه، وقد حدث به على الصواب مرارا، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي. انتهى محل الغرض من كلام ابن القيم.
فإذا عرفت أن أحاديث السعيين والطوافين ليس فيها شيء قائم كما رأيت، فاعلم أن الذين قالوا: بأن القارن يطوف طوافا، ويسعى سعيا كفعل المفرد، أجابوا عن الأحاديث المذكورة من وجهين.
الأول: ما بيناه الآن بواسطة نقل الزيلعي وابن حجر وابن القيم عن الدارقطني، وغيره من أوجه ضعفها.
والثاني: أنا لو سلمنا تسلميا جدليا أن بعضها يصلح للاحتجاج وضعافها يقوي بعضها بعضا، فلا يقل مجموع طرقها عن درجة القبول فهي معارضة بما هو أقوى منها، وأصح، وأرجح، وأولى بالقبول من الأحاديث الثابتة في الصحيح، الدالة على أن النبي لم يفعل في قرانه. إلا كما يفعل المفرد كحديث عائشة المتفق عليه، وحديث ابن عباس عند البخاري وكالحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة
" يكفيك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة لحجك وعمرتك "
كما قدمناه واضحا، وقد اتضح من جمع ما كتبناه في هذه المسألة: أن التحقيق فيها أن القارن يفعل كفعل المفرد لاندراج أعمال العمرة في أعمال الحج، وأن المتمتع يطوف، ويسعى لعمرته، ثم يطوف ويسعى لحجته، ومما يوضح من جهة المعنى: أنه يطوف ويسعى لحجه بعد رجوعه من منى أنه يهل بالحج بالإجماع، والحج يدخل في معناه دخولا مجزوما به الطواف والسعي، فلو كان يكفيه طواف العمرة التي حل منها، وسعيها، لكان إهلاكه بالحج إهلالا بحج، لا طواف فيه ولا سعي، وهذا ليس بحج في العرف ولا في الشرع، والعلم عند الله تعالى.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أن صفة الطواف بالبيت هي أن يبتدئ طوافه من الركن الذي فيه الحجر الأسود، فيستقبله، ويستلمه، ويقبله إن لم يؤذ الناس بالمزاحمة، فيحاذي بجمع بدنه جميع الحجر فيمر جميع بدنه على جميع الحجر وذلك بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر، ويتحقق أنه لم يبق وراءه جزء من الحجر ثم يبتدئ طوافه مارا بجميع بدنه على جميع الحجر، جاعلا يساره إلى جهة البيت، ثم يمشي طائفا بالبيت، ثم يمر وراء الحجر بكسر الحاء ويدور بالبيت.