" لبيك عمرة وحجا "
وحدثني أمية بن بسطام العيشي، حدثنا يزيد يعني ابن زريع، حدثنا حبيب بن الشهيد، عن بكر بن عبدالله، حدثنا أنس رضي الله عنه: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما بين الحج والعمرة، قال: فسألت ابن عمر؟ فقال: أهللنا بالحج، فرجعت إلى أنس فأخبرته ما قال ابن عمر، فقال: كأنما كنا صبيانا.
انتهى منه.
وحديث ابن عمر هذا لا يحتمل غير إفراد الحج، فلا يحتمل القران ولا التمتع بحال، لأن فيه أن بكرا قال لابن عمر: إن أنسا يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة، فرد ابن عمر على أنس دعواه القران قائلا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج وحده، وهذا صريح في الإفراد كما ترى. وحديث ابن عمر المذكور أخرجه البخاري أيضا ا ه.
وفي رواية: أن رجلا أتى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: بم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال ابن عمر: أهل بالحج، فانصرف ثم أتاه من العام المقبل، فقال: بم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ألم تأتني عام أول؟ قال: بلى، ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن: قال ابن عمر رضي الله عنهما: إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء، وهن منكشفات الرؤوس، وإني كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها أسمعه: يلبي بالحج. رواه البيهقي بإسناده. وقال النووي في شرح المهذب: إن إسناده صحيح.
وأما حديث ابن عباس، فهو ما رواه عنه البخاري ومسلم قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرا ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج الحديث هذا لفظ البخاري ومسلم.
وفي رواية في الصحيح عنه رضي الله عنه: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج: لفظ مسلم وفي رواية عنه في الصحيح: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهل بالحج وفي رواية عنه رضي الله عنه في الصحيح: ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم رحمه الله تعالى.
وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما. قالت: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج. الحديث.
قالوا: فهذه الأحاديث الصحاح دالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم مفردا، ورواتها من أضبط الصحابة وأتقنهم، قالوا: فمنهم: جابر الذي عرف ضبطه وحفظه وخصوصا ضبطه لحجته صلى الله عليه وسلم. ومنهم: ابن عمر الذي رد على أنس، وذكر أن لعاب ناقة النبي كان يمسه. ومنهم: عائشة رضي الله عنها وحفظها وضبطها واطلاعها على أحوال النبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك معروف.
ومنهم: ابن عباس رضي الله عنهما. ومكانته في العلم والحفظ معروفة.
الأمر الثاني من الأمور التي احتج بها القائلون: بأفضلية الإفراد على التمتع، والقران: هو إجماع أهل العلم، على أن المفرد إذا لم يفعل شيئا من محظورات الإحرام، ولم يخل بشيء من النسك، أنه لا دم عليه، وانتفاء الدم عنه مع لزومه في التمتع والقران: يدل على أنه أفضل منهما، لأن الكامل بنفسه الذي لا يحتاج إلى الجبر بالدم أفضل من المحتاج إلى الجبر بالدم.
وأجاب المخالفون عن هذا: بأن دم التمتع والقران، ليس دم جبر لنقص فيهما. وإنما هو دم نسك محض ألزم في ذلك النسك. واحتجوا على أنه دم نسك. بجواز أكل القارن، والمتمتع من دم قرانه، وتمتعه. قالوا: لو كان جبرا لما جاز الأكل منه كالكفارات، وبأن الجبر في فعل ما لا يجوز والتمتع والقران جائزان، فلا جبر في مباح.
ورد هذا من يخالف في ذلك قائلا: إنه دم جبر لا دم نسك، بدليل أن الصوم يقوم مقامه عند العجز عنه. قالوا: والنسك المحض كالأضاحي والهدايا لا يكون الصوم بدلا عنه عند العجز عنه، فلا يكون الصوم بدلا من دم، إلا إذا كان دم جبر. قالوا: ولا مانع من الأمر بعبادة مع ما يجبرها ويكملها، ولا مانع من أن يرد دليل خاص على جواز الأكل من بعض دماء الجبر.