تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأجابوا عن قولهم: إن من تمكن من أداء الحج، ثم أخره، ثم فعله لا ترد شهادته فيما بين فعله وتأخيره. ولو كان التأخير حراما لردت شهادته لارتكابه ما لا يجوز بأنه ما كل من ارتكب ما لا يجوز ترد شهادته، بل لا ترد إلا بما يؤدي إلى الفسق، وهنا قد يمنع من الحكم بتفسيقه مراعاة الخلاف، وقول من قال: إنه لم يرتكب حراما وشبهة الأدلة التي أقاموها على ذلك، هذا هو حاصل أدلة الفريقين.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي وأليقهما بعظمة خالق السموات والأرض هو: أن وجوب أوامره جل وعلا كالحج على الفور، لا على التراخي، لما قدمنا من النصوص الدالة على الأمر بالمبادرة، وللخوف من مباغتة الموت كقوله:

وسارعوا إلى مغفرة من ربكم

[آل عمران: 133] الآية، وما قدمنا معها من الآيات وكقوله:

أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم

[الأعراف: 185]، ولما قدمنا من أن الشرع واللغة والعقل كلها يدل على أن أوامر الله تجب على الفور، وقد بينا أوجه الجواب عن كونه صلى الله عليه وسلم لم يحج حجة الإسلام إلا سنة عشر، والعلم عند الله تعالى، وأشار في مراقي السعود إلى أن مذهب مالك أن وجوب الأمر على الفور بقوله:

وكونه للفور أصل المذهب

وهو لدى القيد بتأخير أبى

المسألة الثانية: اعلم أن من أراد الحج له أن يحرم مفردا الحج وله أن يحرم متمتعا بالعمرة إلى الحج، وله أن يحرم قارنا بين الحج والعمرة، وإنما الخلاف بين العلماء، فيما هو الأفضل من الثلاثة المذكورة.

والدليل على التخيير بين الثلاثة ما رواه الشيخان في صحيحهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع. فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج الحديث. وهو نص صريح متفق عليه في جواز الثلاثة المذكورة. وقال النووي في شرح المهذب: وجواز الثلاثة قال به العلماء، وكافة الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما: أنهما كان ينهيان عن التمتع. انتهى محل الغرض من كلامه.

وقال أيضا في شرح مسلم: وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة:

وقال ابن قدامة في المغني: وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام، بأي الأنساك الثلاثة شاء. واختلفوا في أفضلها.

وفي رواية في الصحيح عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

" من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، قالت عائشة رضي الله عنها: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج وأهل به ناس معه، وأهل ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة "

هذا لفظ مسلم في صحيحه: وهو صريح في جواز الثلاثة المذكورة.

وبه تعلم أن ادعاء بعض المعاصرين أن إفراد الحج ممنوع مخالف لما صح باتفاق مسلم والبخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأطبق عليه جماهير أهل العلم. وحكى غير واحد عليه الإجماع، وسنذكر إن شاء الله كلام أهل العلم في التفضيل بينها مع مناقشة الأدلة.

المسألة الثالثة: اعلم أن ممن قال: إن الإفراد أفضل من التمتع والقرآن: مالك، وأصحابه، والشافعي في الصحيح من مذهبه وأصحابه.

قال النووي: في شرح المهذب: وبه قال عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وعائشة، ومالك، والأوزاعي، وأبو ثور، وداود. واحتج من قال: بتفضيل إفراد للحج على غيره بأدلة متعددة.

الأول: أحاديث صحيحة جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بأنه أفرد في حجة الوداع من رواية جابر، وابن عمر وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم وغيرهم. أما حديث عائشة فقد ذكرناه آنفا.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٦٦