تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال الذهبي في الميزان: في بهلول المذكور، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث ذاهب. وقال أبو زرعة: ليس بشيء وقال ابن حبان: يسرق الحديث. انتهى منه.

وبما ذكر تعلم أن حديث ابن مسعود المذكور، ليس بصالح للاحتجاج، وأما حديث عبدالله بن عمرو بن العاص، فقد قال صاحب نصب الراية أيضا: أخرجه الدارقطني أيضا، عن ابن لهيعة، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، عن أبيه، عن جده بنحوه.

وابن لهيعة والعرزمي ضعيفان. قال الشيخ في الإمام: وقد أخرج الدارقطني هذا الحديث، عن جابر، وأنس، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وعبدالله بن مسعود، وعائشة، وليس فيها إسناد يحتج به انتهى منه.

هذا هو حاصل روايات الأحاديث الواردة بتفسير السبيل في الآية: بالزاد، والراحلة. وقال غير واحد: إن هذا الحديث لا يثبت مسندا، وأنه ليس له طريق صحيحة، إلا الطريق التي أرسلها الحسن.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن حديث الزاد والراحلة، المذكور ثابت لا يقل عن درجة الاحتجاج، لأن الطريقين اللتين أخرجهما به الحاكم في المستدرك عن أنس قال: كلتاهما صحيحة الإسناد، وأقر تصحيحهما الحافظ الذهبي، ولم يتعقبه بشيء والدعوى على سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة في روايتهما الحديث، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها غلط، وأن الصحيح عن قتادة عن الحسن مرسلا دعوى لا مستند لها، بل هي تغليط وتوهيم، للعدول المشهورين من غير استناد إلى دليل.

والصحيح عند المحققين من الأصوليين والمحدثين: أن الحديث إذا جاء من طريق صحيحة، وجاء من طرق أخرى غير صحيحة، فلا تكون تلك الطرق علة في الصحيحة، إذا كان رواتها لم يخالفوا جميع الحفاظ، بل انفراد الثقة العدل بما لم يخالف فيه غيره مقبول عند المحققين.

فرواية سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة: الحديث المذكور عن قتادة عن أنس مرفوعا لم يخالفوا فيها غيرهم، بل حفظوا ما لم يحفظه غيرهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فادعاء الغلط عليهما بلا دليل غلط، وقول النووي في شرح المهذب، وروى الحالكم حديث أنس، وقال: وهو صحيح، ولكن الحاكم متساهل كما سبق بيانه مرات. والله أعلم.

يجاب عنه: بأنا لو سلمنا أن الحاكم متساهل في التصحيح، لا يلزم من ذلك أنه لا يقبل له تصحيح مطلقا. ورب تصحيح للحاكم مطابق للواقع في نفس الأمر، وتصحيحه لحديث أنس المذكور لم يتساهل فيه، ولذا لم يبد النووي وجها لتساهله فيه، ولم يتكلم في أحد رواته بل هو تصحيح مطابق.

فإن قيل: متابعة حماد بن سلمة لسعيد بن أبي عروبة المذكورة راويها عن حماد، هو أبو قتادة عبدالله بن واقعد الحراني، وهو متروك، لا يحتج بحديثه، كما جزم به غير واحد من العلماء بالرجال. وقال فيه ابن حجر في التقريب: متروك فقد تساهل الحاكم في قوله: إن هذه الطريق على شرط مسلم، مع أن في إسنادها أبا قتادة المذكور.

فالجواب: أن أبا قتادة المذكور، وإن ضعفه الأكثرون، فقد وثقه الإمام أحمد وأثنى عليه، وناهيك بتوثيق الإمام أحمد وثنائه، وذكر ابن حجر والذهبي: أن عبدالله بن أحمد قال لأبيه: إن يعقوب بن إسماعيل بن صحبيح ذكر أن أبا قتادة المذكور كان يكذب، فمعظم ذلك عنده جدا، وأثنى عليه وقال: إنه يتحرى الصدق.

قال: ولقد رأيته يشبه أصحاب الحديث. وقال أحمد في موضع آخر: ما به بأس، رجل صالح، يشبه أهل النسك ربما أخطأ. وفي إحدى الروايتين عن ابن معين أنه قال: أبو قتادة الحراني ثقة. ذكرها عنه ابن حجر والذهبي، وقول من قال: لعله كبر فاختلط تخمين وظن لا يثبت به اختلاطه، ومعلوم أن المقرر في الأصول وعلوم الحديث: أن الصحيح أن التعديل يقبل مجملا، والتجريح لا يقبل إلا مفصلا، مع أن رواية سعيد بن أبي عروبة، عن أنس ليس في أحد من رواتها كلام.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٥١