تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذي عليه الأكثرون: أن الحج راكبا أفضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه حج راكبا مع كمال قوته صلى الله عليه وسلم. انتهى منه.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: اعلم أنه قد تقرر في الأصول: أن منشأ الخلاف في هذه المسألة، التي هي: هل الركوب في الحج. أفضل، أو المشي؟ ونظائرها كون أفعال النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى الجبلة والتشريع ثلاثة أقسام:

القسم الأول: هو الفعل الجبلي المحض: أعني الفعل الذي تقتضيه الجبلة البشرية بطبيعتها، كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب، فإن هذا لم يفعل التشريع والتأسي، فلا يقول أحد: أنا أجلس وأقوم تقربا لله، واقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم، لأنه كان يقوم ويجلس لأنه لم يفعل ذلك التشريع والتأسي. وبعضهم يقول: فعله الجبلي يقتضي الجواز، وبعضهم يقول: يقتضي الندب. والظاهر ما ذكرنا من أنه لم يفعل للتشريع، ولكنه يدل على الجواز.

القسم الثاني: هو الفعل التشريعي المحض. وهو الذي فعل لأجل التأسي، والتشريع كأفعال الصلاة، وأفعال الحج مع قوله:

" صلوا كما رأيتموني أصلي "

وقوله:

" خذوا عني مناسككم ".

القسم الثالث: وهو المقصود هنا هو الفعل المحتمل للجبلي والتشريعي.

وضابطه: أن تكون الجبلة البشرية تقتضيه بطبيعتها، ولكنه وقع متعلقا بعبادة بأن وقع فيها، أو في وسيلتها كالركوب في الحج، فإن ركوبه صلى الله عليه وسلم في حجه محتمل للبجلة، لأن الجبلة البشرية تقتضي الركوب، كما كان يركب صلى الله عليه وسلم في أسفاره غير متعبد بذلك الركوب، بل لاقتضاء الجبلة إياه: ومحتمل للشرعي لأنه صلى الله عليه وسلم فعله في حال تلبسه بالحج وقال:

" خذوا عني مناسككم "

ومن فروع هذه المسألة: جلسة الاستراحة في الصلاة والرجوع من صلاة العيد في طريق أخرى غير الذي ذهب فيها إلى صلاة العيد. والضجعة على الشق الأيمن، بين ركعتي الفجر، وصلاة الصبح، ودخول مكة من كداء بالفتح والمد، والخروج من كدى بالضم والقصر. والنزول بالمحصب بعد النفر من منى ونحو ذلك.

ففي كل هذه المسائل خلاف بين أهل العلم لاحتمالها للجبلي والتشريعي. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:

وفعله المركوز في الجبلة

كالأكل والشرب فليس مله

من غير لمح الوصف والذي احتمل

شرعا ففيه قل تردد حصل

فالحج راكبا عليه يجري

كضجعة بعد صلاة الفجر

ومشهور مذهب مالك: أن الركوب في الحج أفضل، إلا في الطواف والسعي، فالمشي فيهما واجب.

وقال سند واللخمي من المالكية: إن المشي أفضل للمشقة، وركوبه صلى الله عليه وسلم جبلي لا تشريعي.

وما ذكرنا عن مالك من أن الركوب في الحج أفضل من المشي، هو قول أكثر أهل العلم، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي وغيرهما.

قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أن الركوب أفضل. قال العبدري: وبه قال أكثر الفقهاء، وقال داود: ماشيا أفضل، واحتج بحديث عائشة:

" أن النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: " ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك " "

رواه البخاري ومسلم، وفي رواية صحيحة

" على قدر عنائك ونصبك "

وروى البيهقي بإسناده، عن ابن عباس قال: ما آسى على شيء ما آسى أني لم أحج ماشيا، وعن عبيد بن عمير قال ابن عباس: ما ندمت على شيء فاتني في شبابي، إلا أني لم أحج ماشيا، ولقد حج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا. وإن النجائب لتقاد معه، ولقد قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات، حتى كان يعطي الخف، ويمسك النعل. انتهى محل الغرض منه، والحديث المرفوع عن ابن عباس في فضل الحج ماشيا: ضعيف، وحديث عائشة المتفق عليه الذي أشار إليه النووي يقوي حجة من قال: بأن المشي في الحج أفضل من الركوب، لأنه أكثر نصبا وعناء. ولفظ البخاري " ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك " ولفظ مسلم " ولكنها على قدر نصبك " أو قال " نفقتك " والنصب: التعب، والمشقة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٤٢