تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الزمخشري في الكشاف والمخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب، يقال خلق السواك والعود إذا سواه وملسه. من قولهم صخرة خلقاء، إذا كانت ملساء، كأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة. منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب. ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم. انتهى منه. وهذا المعنى الذي ذكره الزمخشري معروف في كلام العرب، تقول العرب حجر أخلق أي أملس مصمت لا يؤثر فيه شيء، وصخرة خلقاء بينة الخلق أي ليس فيها وصم، ولا كسر، ومنه قول الأعشى

قد يترك في خلقاء راسية وهييا وينزل منها الأعصم الصدعا

والدهر في البيت فاعل يترك، والمفعول به وهيا. يعني أن صرف الدهر قد يؤثر في الحجارة الصم السالمة من الكسر والوصم، فيكسرها، ويوهيها، ويؤثر في العصم من الأوعال برؤوس الجبال، فينزلها من معاقلها، ومن ذلك أيضا قول ابن أحمر يصف فرسا، وقد أنشده صاحب اللسان للمعنى المذكور

بمقلص درك الطريدة متنه كصفا الخليقة بالفضاء الملبد

فقوله كصفا الخليقة، يعني أن متن الفرس المذكور كالصخرة الملساء التي لا كسر فيها، ولا وصم، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته. والسهم المخلق هو الأملس المستوي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له وهذا القول هو أولى الأقوال بالصواب فيما يظهر لي لجريانه على اللغة التي نزل بها القرآن وسلامته من التناقض، والله جل وعلا أعلم. وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ﴿ لنبين لكم ﴾ أي لنبين لكم بهذا النقل من طور إلى طور، كمال قدرتنا على البعث بعد الموت، وعلى كل شيء، لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا، مع ما بين النطفة والتراب من المنافاة والمغايرة وقدر على أن يجعل النطفة علقة، مع ما بينهما من التباين والتغاير، وقدر على أن يجعل العلقة مضغة، والمضغة عظاما، فهو قادر بلا شك على إعادة ما بدأ من الخلق، كما هو واضح وقوله ﴿ لنبين ﴾ الظاهر أنه متعلق بخلقناكم، في قوله ﴿ يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ﴾ الآية أي خلقناكم خلقا من بعد خلق على التدريج المذكور لنبين لكم قدرتنا على البعث وغيره. وقال الزمخشري مبينا نكتة حذف مفعول لنبين لكم ما نصه وورود الفعل غير معدى إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه بالذكر، ولا يحيط به الوصف.

انتهى منه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ﴾ أي نقر في أرحام الأمهات ما نشاء إقراره فيها، من الأحمال، والأجنة إلى أجل مسمى أي معلوم معين في علمنا، وهو الوقت الذي قدره الله لوضع الجنين، والأجنة تختلف في ذلك حسبما يشاؤه الله جل وعلا، فتارة تضعه أمه لستة أشهر، وتارة لتسعة، وتارة لأكثر من ذلك. وما لم يشأ الله إقراره من الحمل مجته الأرحام وأسقطته، ووجه رفعه ونقر أن المعنى ونحن نقر في الأرحام، ولم يعطف على قوله ﴿ لنبين لكم ﴾ لأنه ليس علة لما قبله، فليس المراد خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، لنقر في الأرحام ما نشاء، وبذلك يظهر لك رفعه، وعدم نصبه، وقراءة من قرأ ونقر بالنصب عطفا على لنبين، على المعنى الذي نفيناه على قراءة الرفع، ويؤيد معنى قراءة النصب قوله بعده ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ثم نخرجكم طفلا ﴾ أي وذلك بعد أن يخلق الله المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم ينشئ ذلك الجنين خلقا آخر، فيخرجه من بطن أمه في الوقت المعين لوضعه في حال كونه طفلا أي ولدا بشرا سويا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ أي لتبلغوا كمال قوتكم، وعقلكم، وتمييزكم بعد إخراجكم من بطون أمهاتكم في غاية الضعف وعدم علم شيء. وقد قدمنا أقوال العلماء في المراد بالأشد، وهل هو جمع أو مفرد مع بعض الشواهد العربية في سورة الأنعام، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله تعالى في هذه الآية ﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ أي ومنكم أيها الناس من يتوفى من قبل أي من قبل بلوغه أشده، ومنكم من ينسأ له في أجله، فيعمر حتى يهرم فيرد من بعد شبابه وبلوغه غاية أشده إلى أرذل العمر، وهو الهرم، حتى يعود كهيئته في حال صباه من الضعف، وعدم العلم. وقد أوضحنا كلام العلماء في أرذل العمر ومعنى ﴿ لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ﴾ في سورة النحل، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من الاستدلال على كمال قدرته، على بعث الناس بعد الموت، وعلى كل شيء ينقله الإنسان من طور إلى طور، من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة إلى آخر الأطوار المذكورة، ذكره جل وعلا في مواضع من كتابه مبينا أنه من البراهين القطعية على قدرته، على البعث وغيره. فمن الآيات الذي ذكر فيها ذلك من غير تفصيل لتلك الأطوار قوله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٢٥