تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون فنبذناه بالعرآء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين

الصافات 139-148. فقوله في آيات " الصافات " المذكورة ﴿ إذ أبق ﴾ أي حين أبق، وهو من قول العرب عبد آبق، لأن يونس خرج قبل أن يأذن له ربه، ولذلك أطلق عليه اسم الإباق. واستحقاق الملامة في قوله ﴿ وهو مليم ﴾ لأن المليم اسم فاعل ألام إذا فعل ما يستوجب الملام. وقوله ﴿ فساهم ﴾ أي قارع بمعنى أنه وضع مع أصحاب السفينة سهام القرعة. لأنه خرج له السهم الذي يلقى صاحبه في البحر. ومن ذلك قول الشاعر

قتلنا المدحضين بكل فج فقد قرت بقتلهم العيون

وقوله ﴿ فنبذناه ﴾ أي طرحناه، بأن أمرنا الحوت أن يلقيه بالساحل. والعراء الصحراء. وقول من قال العراء الفضاء أو المتسع من الأرض، أو المكان الخالي أو وجه الأرض راجع إلى ذلك، ومنه قول الشاعر وهو رجل من خزاعة

ورفعت رجلا لا أخاف عثارها ونبذت بالبلد العراء ثيابي

وشجرة اليقطين هي الدباء. وقوله ﴿ وهو سقيم ﴾ أي مريض لما أصابه من التقام الحوت إياه، وقال تعالى في " القلم ".

ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء وهو مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين

القلم 48-50 فقوله في آية " القلم " هذه ﴿ إذ نادى ﴾ أي نادى أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقوله ﴿ وهو مكظوم ﴾ أي مملوء غما، كما قال تعالى ﴿ ونجيناه من الغم ﴾ وهو قول ابن عباس ومجاهد. وعن عطاء وأبي مالك ﴿ مكظوم ﴾ مملوء كربا. قال الماوردي والفرق بين الغم والكرب أن الغم في القلب. والكرب في الأنفاس. وقيل ﴿ مكظوم ﴾ محبوس. والكظم/ الحبس. ومنه قولهم كظم غيظه، أي حبس غضبه، قاله ابن بحر. وقيل المكظوم المأخوذ بكظمه، وهو مجرى النفس، قاله المبرد انتهى من القرطبي. وآية " القلم " المذكورة تدل على أن نبي الله يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجل بالذهاب ومغاضبة قومه، ولم يصبر الصبر اللازم بدليل قوله مخاطبا نبينا صلى الله عليه وسلم فيها

فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت

القلم 48 الآية. فإن أمره لنبينا صلى الله عليه وسلم بالصبر ونهيه إياه أن يكون كصاحب الحوت دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي. وقصة يونس، وسبب ذهابه ومغاضبته قومه مشهورة مذكورة في كتب التفسير. وقد بين تعالى في سورة " يونس " أن قوم يونس آمنوا فنفعهم إيمانهم دون غيرهم من سائر القرى التي بعثت إليهم الرسل، وذلك في قوله

فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين

يونس 98. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ وكذلك ننجي المؤمنين ﴾ يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى الله داعيا بإخلاص، إلا نجاه الله من ذلك الغم، ولا سيما إذا دعا بدعاء يونس هذا. وقد جاء في حديث مرفوع عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دعاء يونس المذكور

" لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له "

رواه أحمد والترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم. والآية الكريمة شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية كما ترى، لأنه لما ذكر أنه أنجى يونس شبه بذلك إنجاءه المؤمنين.

وقوله ﴿ ننجي المؤمنين ﴾ صيغة عامة في كل مؤمن كما ترى. وقرأ عامة القراء السبعة غير ابن عامر وشعبة عن عاصم ﴿ وكذلك ننجي المؤمنين ﴾ بنون واحدة مضمومة بعدها جيم مكسورة مشددة فياء ساكنة. وهو على هذه القراءة بصيغة فعل ماض مبني للمفعول من مجى المضعفة على وزن فعل بالتضعيف. وفي كلتا القراءتين إشكال معروف. أما قراءة الجمهور فهي من جهة ا لقواعد العربية واضحة لا إشكال فيها، ولكن فيها إشكال من جهة أخرى، وهي أن هذا الحرف إنما كتبه الصحابة في المصاحف العثمانية بنون واحدة، فيقال كيف تقرأ بنونين وهي في المصاحف بنون واحدة؟ وأما على قراءة ابن عامر وشعبة فالإشكال من جهة القواعد العربية، لأن نجى على قراءتهما بصيغة ماض مبني للمفعول، فالقياس رفع ﴿ المؤمنين ﴾ بعده على أنه نائب الفاعل، وكذلك القياس فتح نون " نجى " لا إسكانها. وأجاب العلماء عن هذا بأجوبة منها ما ذكره بعض الأئمة، وأشار إليه ابن هشام في باب الإدغام من توضيحه أن الأصل في قراءة ابن عامر وشعبة " ننجي " بفتح النون الثانية مضارع نجى مضعفا، فحذفت النون الثانية تخفيفا. أو ننجي بسكونها مضارع أنجى وأدغمت النون في الجيم لاشتراكهما في الجهر والانفتاح والتوسط بين القوة والضعف، كما أدغمت في " إجاصة وإجانة " بتشديد الجيم فيهما، والأصل " إنجاصة وإنجانة " فأدغمت النون فيهما. والإجاصة واحدة الإجاص، قال في القاموس الإجاص بالكسر مشددا ثمر معروف دخيل، لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة، الواحدة بهاء. ولا تقل انجاص، أو لغية ا ه. والإجانة. واحدة الأجاجين. قال في التصريح وهي بفتح الهمزة وكسرها. قال صاحب الفصيح قصرية يعجن فيه ويغسل فيها. ويقال إنجانة كما يقال إنجاصة، وهي لغة يمانية فيهما أنكرها الأكثرون ا ه. فهذا وجهان في توجيه قراءة ابن عامر وشعبة، وعليهما فلفظة " المؤمنين " مفعول به ل " ننجي ". ومن أجوبة العلماء عن قراءة ابن عامر وشعبة أن " نجى " على قراءتهما فعل ماض مبني للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير المصدر، أي نجى هو أي الإنجاء، وعلى هذا الوجه فالآية كقراءة من قرأ

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٠٩