تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21.87-88

أي واذكر ذا النون. والنون الحوت. " وذا " بمعنى صاحب. فقوله ﴿ ذا النون ﴾ معناه صاحب الحوت. كما صرح الله بذلك في " القلم " في قوله

ولا تكن كصاحب الحوت

القلم 48 الآية. وإنما أضافه إلى الحوت لأنه التقمه كما قال تعالى

فالتقمه الحوت وهو مليم

الصافات 142. وقوله ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ فيه وجهان من التفسير لا يكذب أحدهما الآخر الأول أن المعنى ﴿ لن نقدر عليه ﴾ أي لن نضيق عليه في بطن الحوت. ومن إطلاق " قدر " بمعنى " ضيق " في القرآن قوله تعالى

الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر

الرعد 26 أي ويضيق الرزق على من يشاء، وقوله تعالى

لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله

الطلاق 7 الآية. فقوله ﴿ ومن قدر عليه رزقه ﴾ أي ومن ضيق عليه رزقه. الوجه الثاني أن معنى ﴿ أن لن نقدر عليه ﴾ لن نقضي عليه ذلك. وعليه فهو من القدر والقضاء. " وقدر " بالتخفيف تأتي بمعنى " قدر " المضعفة ومنه قوله تعالى

فالتقى المآء على أمر قد قدر

القمر 12 أي قدره الله. ومه قول الشاعر وأنشده ثعلب شاهدا لذلك

فليست عشيات الحمى برواجع لنا أبدا ما أورق السلم النضر ولا عائذ ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر

والعرب تقول قدر الله لك الخير يقدره قدرا، وكضرب يضرب، ونصر ينصر، بمعنى قدره لك تقديرا. ومنه على أصح القولين " ليلة القدر " لأن الله يقدر فيها الأشياء. كما قال تعالى

فيها يفرق كل أمر حكيم

الدخان 4 والقدر بالفتح، والقدر بالسكون ما يقدره الله من القضاء. ومنه قول هدبةبن الخشرم

ألا يا لقومي للنوائب والقدر وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري

أما قول من قال إن ﴿ أن لن نقدر عليه ﴾ من القدرة فهو قول باطل بلا شك. لأن نبي الله يونس لا يشك في قدرة الله على كل شيء، كما لا يخفى. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ مغاضبا ﴾ أي في حال كونه مغاضبا لقومه. ومعنى المفاعلة فيه أنه أغضبهم بمفارقته وتخوفهم حلول العذاب بهم، وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه، فأوعدهم بالعذاب. ثم خرج من بينهم على عادة الأنبياء عند نزول العذاب قبل أن يأذن الله له في الخروج. قاله أبو حيان في البحر. وقال أيضا وقيل معنى " مغاضبا " غضبان، وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكا. نحو عاقبت اللص، وسافرت ا ه. واعلم أن قول من قال ﴿ مغاضبا ﴾ أي مغاضبا لربه كما روي عن ابن مسعود، وبه قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير، واختاره الطبري والقتبي، واستحسنه المهدوي يجب حمله على معنى القول الأول.

أي مغاضبا من أجل ربه. قال القرطبي بعد أن ذكر هذا القول عمن ذكرنا وقال النحاس وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح، والمعنى مغاضبا من أجل ربه كما تقول غضبت لك أي من أجلك، والمؤمن يغضب لله عز وجل إذا عصى انتهى منه. والمعنى على ما ذكر مغاضبا قومه من أجل ربه، أي، من أجل كفرهم به، وعصيانهم له. وغير هذا لا يصح في الآية. وقوله تعالى ﴿ فنادى في الظلمات ﴾. أي ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت. و " أن " في قوله ﴿ أن لا إله إلا أنت ﴾ مفسرة، وقد أوضحنا فيما تقدم معنى " أن لا إله " ، ومعنى " سبحانك " ، ومعنى الظلم، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله ﴿ فاستجبنا له ﴾ أي أجبناه ونجيناه من الغم الذي هو فيه في بطن الحوت، وإطلاق استجاب بمعنى أجاب معروف في اللغة، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي

وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب

وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية من نداء نبيه يونس في تلك الظلمات هذا النداء العظيم، وأن الله استجاب له ونجاه من الغم أوضحه في غير هذا الموضع. وبين في بعض المواضع أنه لو لم يسبح هذا التسبيح العظيم للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث ولم يخرج منه. وبين في بعضها أنه طرحه بالعراء وهو سقيم. وبين في بعضها أنه خرج بغير إذن كخروج البعد الآبق، وأنهم اقترعوا على من يلقى في البحر فوقعت القرعة على يونس أنه هو الذي يلقى فيه. وبين في بعضها أن الله تداركه برحمته. ولو لم يتداركه بها لنبذ بالعراء في حال كونه مذموما، ولكنه تداركه بها فنبذ غير مذموم، قال تعالى في " الصافات "

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٠٨