تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21.78-79

قوله تعالى ﴿ وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ﴾. قوله تعالى ﴿ وداوود ﴾ منصوب ب " اذكر " مقدرا. وقيل معطوف قوله

ونوحا إذ نادى من قبل

الأنبياء 76 أي واذكر نوحا إذ نادى من قبل ﴿ وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ﴾ الآية، وقوله ﴿ إذ ﴾ بدل من " داود وسليمان " بدل اشتمال كما أوضحناه في سورة " مريم " وذكرنا بعض المناقشة فيه، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وذكرنا في هذا الكتاب مسائل كثيرة من ذلك. فإذا علمت ذلك فاعلم أن جماعة من العلماء قالوا إن حكم داود وسليمان في الحرث المذكور في هذه الآية كان بوحي إلا أن ما أوحى سليمان كان ناسخا لما أوحى إلى داود. وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده، وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق لاثناء باجتهاده، ولم يستوجب لوما ولا ذما بعدم إصابته. كما أثنى على سليمان بالإصابة في قوله ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ ، وأثنى عليهما في قوله ﴿ وكلا آتينا حكما وعلما ﴾ فدل قوله ﴿ إذ يحكمان ﴾ على أنهما حكما فيها معا، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيا لما ساغ الخلاف. ثم قال ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود، ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفهما إياها كما ترى. فقوله ﴿ إذ يحكمان ﴾ مع قوله ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم الله إياه ذلك. والقرينة الثانية هي أن قوله تعالى ﴿ ففهمناها ﴾ الآية يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع. لا أنه أنزل عليه فيها وحيا جديدا ناسخا. لأن قوله تعالى ﴿ ففهمناها ﴾ أليق بالأول من الثاني، كما ترى. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى اعلم أن هذا الذي ذكرنا أن القرينة تدل عليه في هذه الآية من أنهما حكما فيها باجتهاد، وأن سليمان أصاب في اجتهاده جاءت السنة الصحيحة بوقوع مثله منهما في غير هذه المسألة. فدل ذلك على إمكانه في هذه المسألة، وقد دلت القرينة القرآنية على وقوعه، قال البخاري في صحيحه باب إذا ادعت المرأة ابنا حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

" كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها إنما ذهب بابنك. فقالت الأخرى إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود عليه السلام، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام، فأخبرتاه فقال ائتوني بالسكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها. فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية "

انتهى من صحيح البخاري. وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه حدثني زهير بن حرب، حدثني شبابة " حدثني ورقاء عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

" بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن احداهما. فقالت هذه لصاحبتها إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى. فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام. فأخبرتاه فقال ائتوني بالسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى لا يرحمك الله "

انتهى منه فهذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على أنهما قضيا معا بالاجتهاد في شأن الولد المذكور، وأن سليمان أصاب في ذلك، إذ لو كان قضاء داود بوحي لما جاز نقضه بحال. وقضاء سليمان واضح أنه ليس بوحي، لأنه أوهم المرأتين أنه يشقه بالسكين، ليعرف أمه بالشفقة عليه، ويعرف الكاذبة برضاها بشقه لتشاركها أمه في المصيبة لعرف الحق بذلك. وهذا شبيه جدا بما دلت عليه الآية حسبما ذكرنا، وبينا دلالة القرينة القرآنية عليه. ومما يشبه ذلك من قضائهما القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة " سليمان " عليه السلام من تاريخه، من طريق الحسن بن سفيان، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، وعن سعيد بن بشر، عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس فذكر قصة مطولة، ملخصها أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها. فشهدوا عند داود عليه السلام أنها مكنت من نفسها كلبا لها، قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان، واجتمع معه ولدان مثله. فانتصب حاكما وتزيا أربعة منهم بزي أولئك، وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلبا، فقال سليمان فرقوا بينهم. فسأل أولهم ما كان لون الكلب؟ فقال أسود، فعزله. واستدعى الآخر فسأله عن لونه؟ فقال أحمر. وقال الآخر أغبش. وقال الآخر أبيض، فأمر عند ذلك بقتلهم، فحكى ذلك لداود عليه السلام، فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب فاختلفوا عليه، فأمر بقتلهم انتهى بواسطة نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٠٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٠٦٩