وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون
الأنعام 109. وأشار إلى ذلك هنا في قوله
مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون
الأنبياء 6 يعني أن الأمم الذين اقترحوا الآيات من قبلهم وجاءتهم رسلهم بما اقترحوا، لم يؤمنوا بل تمادوا فأهلكهم الله وأنتم أشد منهم عتوا وعنادا. فلو جاءكم ما اقترحتم، ما آمنتم، فهلكتم كما هلكوا. وقال تعالى
إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جآءتهم كل آية
يونس 96-97 إلى غير ذلك من الآيات. وبين أنهم جاءتهم آية هي أعظم الآيات، فيستحق من لم يكتف بها التقريع والتوبيخ، وذلك في قوله
وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنمآ أنا نذير مبين أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم
العنكبوت 50-51 الآية. وقد ذكرنا أن هذا المعنى يشير إليه قوله
وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى
طه 133، وقوله
ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا
الأنبياء 7 إلى قوله
وما كانوا خالدين
الأنبياء 8 قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
21.9
بين جل وعلا في هذه الآيات أنه أرسل الرسل إلى الأمم فكذبوهم، وأنه وعد الرسل بأن لهم النصر والعاقبة الحسنة، وأنه صدق رسله ذلك الوعد فأنجاهم. وأنجى معهم ما شاء أن ينجيه.. والمراد به من آمن بهم من أممهم، وأهلك المسرفين وهم الكفار المكذبون للرسل، وقد أوضح هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله تعالى
حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جآءهم نصرنا فنجي من نشآء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين
يوسف 110، وقوله
فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام
إبراهيم 47، وقوله تعالى
فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم
إبراهيم 13-14، وقوله
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون
الصافات 171-173، وقوله تعالى
ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا
هود 58 الآية، وقوله تعالى
فلما جآء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا
هود 66 الآية، وقوله
ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا
هود 94 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والظاهر أن " صدق " تتعدى بنفسها وبالحروف، تقول صدقته الوعد، وصدقته في الوعد. كقوله هنا ﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ ، وقوله
ولقد صدقكم الله وعده
آل عمران 152. فقول الزمخشري " صدقناهم الوعد " كقوله " واختار موسى قومه سبعين رجلا " لا حاجة إليه، والله أعلم. والإسراف مجاوزة الحد في المعاصي كالكفر، ولذلك يكثر في القرآن إطلاق المسرفين على الكفار.