بدلن بعد النفش الوجيفا وبعد طول الجرة الصريفا
وقيل كان الحرث المذكور زرعا، وذكروا أن داود حكم بدفع الغنم لأهل الحرث عوضا من حرثهم الذي نفشت فيه فأكلته. وقال بعض أهل العلم اعتبر قيمة الحرث فوجد الغنم بقدر القيمة فدفعها إلى أصحاب الحرث. إما لأنه لم يكن لهم دراهم أو تعذر بيعها، ورضوا بدفعها ورضي أولئك بأخذها بدلا من القيمة. وأما سليمان فحكم بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمنوا ذلك بالمثل بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان حين نفشت فيه غنمهم. ولم يضيع عليهم غلته من حين الإتلاف إلى حين العود، بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء حرثهم. وقد اعتبر النماءين فوجدهما سواء، قالوا وهذا هو العلم الذي خصه الله به، وأثنى عليه بإدراكه. هكذا يقولون، والله تعالى أعلم. المسألة العاشرة اعلم أن العلماء اختلفوا في مثل هذه القصة. فلو نفشت غنم قوم في حرث آخرين فتحاكموا إلى حاكم من حكام المسلمين فماذا يفعل؟ اختلف العلماء في ذلك.
فذهب أكثر أهل العلم إلى أن ما أفسدته البهائم ليلا يضمنه أرباب الماشية بقيمته، وهو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله. وقيل يضمنونه بمثله كقضية سليمان. قال ابن القيم وهذا هو الحق. وهو أحد القولين في مذهب أحمد، ووجه الشافعية والمالكية، والمشهور عنهم خلافه. والآية تشير إلى اختصاص الضمان بالليل. لأن النفش لا يطلق لغة إلا على الرعي بالليل كما تقدم. واحتج الجمهور لضمان أصحاب ما أفسدته ليلا بحديث حرام بن محيصة
" أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه. فقضى نبي الله صلى الله عليه وسلم " أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها " "
رواه الأئمة مالك، والشافعي، وأحمد وأبو داود، وابن ماجه والدارقطني، وابن حبان. وصححه الحاكم فقال بعد أن ساق الحديث المذكور هذا حديث صحيح الإسناد على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي فإن معمرا قال عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه، وأقره الذهبي على تصحيحه ولم يتعقبه. وقال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار في الحديث المذكور صححه الحاكم والبيهقي. قال الشافعي أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله ا ه منه. والاختلاف على الزهري في رواية هذا الحديث كثير معروف. وقال ابن عبد البر وهذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور، أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث، وعلى كل حال فالحديث المذكور احتج به جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة المذكورون على أن ما أفسدته البهائم بالليل على أربابها، وفي النهار على أهل الحوائط حفظها. ومشهور مذهب مالك وأحمد والشافعي أنه يضمن بقيمته كما تقدم. وأبو حنيفة يقول لا ضمان مطلقا في جناية البهائم، ويستدل بالحديث الصحيح
" العجماء جبار "
أي جرحها هدر. والجمهور يقولون إن الحديث المذكور عام وضمان ما أفسدته ليلا مخصص له. وذهب داود ومن وافقه إلى أن ما أتلفته البهائم بغير علم مالكها ولو ليلا لا ضمان فيه، وأما إذا رعاها صاحبها باختياره في حرث غيره فهو ضامن بالمثل. واعلم أن القائلين بلزم قيمة ما أفسدته البهائم ليلا يقولون يضمنه أصحابها ولو زاد على قيمتها. خلافا لليث القائل لا يضمنون ما زاد على قيمتها. وفي المسألة تفاصيل مذكورة في كتب الفروع. وصيغة الجمع في الضمير في قوله ﴿ لحكمهم ﴾ الأنبياء 78 الظاهر أنها مراد بها سليمان وداود وأصحاب الحرث وأصحاب الغنم، وأضاف الحكم إليهم لأن منهم حاكما ومحكوما له ومحكوما عليه. وقوله ﴿ ففهمناها ﴾ الأنبياء 79 أي القضية أو الحكومة المفهومة من قوله ﴿ إذ يحكمان في الحرث ﴾ الأنبياء 78 وقوله ﴿ وكلا آتينا ﴾ الأنبياء 79 أي أعطينا كلا من داود وسليمان حكما وعلما.