تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك. فإذا اختلف النوعان فلا بأس به "

وقد قدمنا في سورة " البقرة " قول الشوكاني إن حديث أنس وعبادة هذا أشار إليه ابن حجر في التلخيص ولم يتكلم عليه، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضا. ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولا وغيره من الأحاديث انتهى منه كما تقدم. وفي هذا الحديث المذكور دليل واضح على أن كل ما يكال أو يوزن فيه الربا وإن سخر ا لظاهرية ممن يقول بذلك، ومن شواهد حديث حيان المذكور الحديث المتفق عليه. قال البخاري في صحيحه في كتاب الوكالة حدثنا عبدالله بن يوسف، أخبرنا مالك عن عبدالمجيد بن سهيل بن عبدالرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب، فقال " أكل تمر خيبر هكذا "؟ فقال إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال " لا تفعل بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا " "

، وقال في الميزان مثل ذلك. انتهى منه. ومحل الشاهد منه قوله وقال في الميزان مثل ذلك، ومعناه ظاهر جدا في أن ما يوزن بالميزان مثل ذلك في منع الربا. وقد قدمنا أقوال من أول هذا الحديث وصرفه عن المعنى المذكور في سورة " البقرة ". وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " أكل تمر خيبر هكذا؟ ". قال لا والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تفعلوا ولكن مثلا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان "

انتهى منه. وقوله في هذه الحديث المتفق عليه " وكذلك الميزان " ظاهر جدا في أن ما يوزن كما يكال، وأن في ذلك كله الربا. ولا شك أن هذه الأحاديث التي عمل بها بعض الأئمة وإن استهزأ بهم الظاهرية في ذلك أقرب إلى ظاهر النص من قول الظاهرية إنه لا ربا إلا في الستة المذكورة قبل. والمقصود التمثيل لأحوالهم مع الأئمة المجتهدين رحمهم الله. تنبيه اعلم أنا نقول بموجب الأحاديث التي استدل بها الظاهرية، على أن ما سكت عنه الشارع فهو عفو، ونقول مثلا إن صوم شهر آخر غير رمضان لم يوجب علينا فهو عفو. ولكن لا نسلم أن آية

فلا تقل لهمآ أف

الإسراء 23 ساكتة عن تحريم ضرب الوالدين. بل نقول هي دالة عليه، وادعاء أنها لم تتعرض لذلك باطل كما ترى. ولا نقول إن آية

فمن يعمل مثقال ذرة

الزلزلة 7 الآية ساكتة عن مؤاخذة من عمل مثقال جبل. بل هي دالة على المؤاخذة بذلك. وهكذا إلى آخر ما ذكرنا من أمثلة ذلك في هذه المباحث، وفي سورة " بني إسرائيل ". وما ذكرنا سابقا من أن الصواب في مسألة القياس أنه قسمان. صحيح، وفاسد. كما بينا وكما أوضحه ابن القيم رحمه الله في كلامه الذي نقلنا اعتمده صاحب مراقي السعود في قوله في القياس

وما روي من ذمه فقد عني به الذي على الفساد قد بني

المسألة الثامنة اعلم أن جماهير القائلين بالقياس يقولون إنه إن خالف النص فهو باطل، ويسمون القدح فيه بمخالفته للنص فساد الاعتبار. كما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله

والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعى

كما قدمناه في سورة " البقرة ". واعلم أن ما يذكره بعض علماء الأصول من المالكية وغيرهم عن الإمام مالك رحمه الله من أنه يقدم القياس على أخبار الآحاد خلاف التحقيق. والتحقيق أنه رحمه الله يقدم أخبار الآحاد على القياس. واستقراء مذهبه يدل على ذلك دلالة واضحة، ولذلك أخذ بحديث المصراة في دفع صاع التمر عوض اللبن. ومن أصرح الأدلة التي لا نزاع بعدها في ذلك أنه رحمه الله يقول إن في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثين من الإبل، وفي أربعة أصابع من أصابعها عشرين من الإبل. كما قدمناه مستوفى في سورة " بني إسرائيل ". ولا شيء أشد مخالفة للقياس من هذا كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن لسعيد بن المسيب حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها. ومالك خالف القياس في هذا لقول سعيد بن المسيب إنه السنة كما تقدم. وبعد هذا فلا يمكن لأحد أن يقول إن مالكا يقدم القياس على النص، ومسائل الاجتهاد والتقليد مدونة في أصول الفقه، ولأجل ذلك نكتفي بما ذكرنا من ذلك هنا. المسألة التاسعة اعلم أن أكثر أهل العلم قالوا إن الحرث الذي حكم فيه سليمان وداود إذ نفشت فيه غنم القوم بستان عنب والنفش رعي الغنم ليلا خاصة. ومنه قول الراجز

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٠٠