وبين مسائل كثيرة مما فهم فيه بعض الصحابة من النصوص خلاف المراد. قال
" وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر فهمه إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله " فإنك آتيه ومطوف به " "
لا دلالة في هذا اللفظ على تعيين العام الذي يأتونه فيه. وأنكر على عدي بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفس العقالين. وأنكر على من فهم من قوله
" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردلة من كبر "
شمول لفظه لحسن الثوب وحسن النعل. وأخبرهم أنه
" بطر الحق وغمط الناس "
وأنكر على من فهم من قوله
" من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه "
أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر إذا احتضر وبشر بالعذاب، فإنه حينئذ يكره لقاء الله والله يكره لقاءه. وأن المؤمن إذا احتضر وبشر بكرامة الله أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه. وأنكر على عائشة إذ فهمت من قوله تعالى
فسوف يحاسب حسابا يسيرا
الانشقاق 8 معارضته لقوله صلى الله عليه وسلم
" من نوقش الحساب عذب "
وبين لها أن الحساب اليسير هو العرض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة. وأنكر على من فهم من قوله تعالى
من يعمل سوءا يجز به
النساء 123 أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة، وأنه لا يسلم أحد من عمل السوء. وبين أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهم والحزن، والمرض والنصب، وغير ذلك من مصائبها، وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة. وأنكر على من فهم من قوله تعالى
الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون
الأنعام 82 أنه ظلم النفس بالمعاصي، وبين أنه الشرك، وذكر قول لقمان لابنه
إن الشرك لظلم عظيم
لقمان 13 وأوضح رحمه الله وجه ذلك بسياق القرآن. قال ثم سأله عمر بن الخطاب عن الكلالة وراجعه فيها مرارا فقال
" يكفيك آية الصيف "
واعترف عمر رضي الله عنه بأنه خفي عليه فهمها، وفهمها الصديق. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية، ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه لكونها لم تخمس. وفهم بعضهم أن النهي لكونها كانت حملة القوم وظهرهم. وفهم بعضهم أنه لكونها كانت جوال القرية. وفهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكبار الصحابة ما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي وصرح بعلته لكونها رجسا. وفهمت المرأة من قوله تعالى
وآتيتم إحداهن قنطارا
النساء 20 جواز المغالاة في الصداق، فذكرته لعمر فاعترف به. وفهم ابن عباس من قوله تعالى
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين
البقرة 233 أن المرأة قد تلد لستة أشهر، ولم يفهمه عثمان فهم برجم امرأة ولدت لها، حتى ذكره ابن عباس فأقر به.
ولم يفهم عمر من قوله
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقهم "
قتال مانعي الزكاة، حتى بين له الصديق فأقر به. وفهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى
ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا
المائدة 93 رفع الجناح عن الخمر، حتى بين له عمر أنه لا يتنا ول الخمر، ولو تأمل سياق الآية لهم المراد منها، فإنه إنما رفع الجناح عنهم فيما طعموه متقين له فيه، وذلك إنما يكون باجتناب ما حرمه من المطاعم. فالآية لا تتناول المحرم بوجه. وقد فهم من فهم من قوله تعالى
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
البقرة 195 انغماس الرجل في العدو. حتى بين له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضاة الله، وأن الإلقاء إلى التهلكة هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا وعمارتها. وقال الصديق رضي الله عنه أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها
يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم