تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحق الله الحق بكلماته

يونس 82 لا بآرائنا ولا مقاييسنا، وقال

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

الأحزاب 4 فما لم يقله سبحانه ولا هدى إليه فليس من الحق، وقال تعالى

فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم

القصص 50 فقسم الأمور إلى قسمين لا ثالث لهما اتباع لما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، واتباع الهوى. قالوا

" والرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع أمته إلى القياس قط، بل قد صح عنه أنه أنكر على عمر وأسامة محض القياس في شأن الحلتين اللتين أرسل بهما إليهما فلبسها أسامة قياسا للبس على التملك والانتفاع والبيع، وكسوتها لغيره، وردها عمر قياسا لتملكها على لبسها. فأسامة أباح، وعمر حرم قياسا. فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحد من القياسين. وقال لعمر " إنما بعيت بها إليك لتستمتع بها ". وقال لأسامة " إني لم أبعث إليك بها لتلبسها ولكن بعثتها إليك لتشقها خمرا لنسائك "

، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما تقدم إليهم في الحرير بالنص على تحريم لبسه فقط. لقاسا قياسا أخطأ فيه. فأحدهما قاس اللبس على الملك، وعمر قاس التملك على اللبس، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن ما حرمه من اللبس لا يتعدى إلى غيره، وما أباحه من التملك لا يتعدى إلى اللبس. قالوا وهذا عين إبطال القياس. وقالوا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها "

، قالوا وهذا الخطاب عام لجميع الأمة أولها وآخرها. قالوا وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد جيد من حديث سلمان رضي الله قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم أشياء فقال

" الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرم الله، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه "

قالوا وكل ذلك يدل على أن المسكوت عنه معفو عنه. فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه بإلحاقه بالمنطوق به. قالوا وقال عبدالله بن المبارك ثنا عيسى بن يونس، عن جرير بن عثمان، عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه عن عوض بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم. فيحلون الحرام ويحرمون الحلال "

قال قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، ثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبدالله.. فذكره وهؤلاء كلهم أئمة ثقات حفاظ. إلا جرير بن عثمان فإنه كان منحرفا عن علي رضي الله عنه، ومع ذلك فقد احتج به البخاري في صحيحه، وقد روي عنه أنه تبرأ مما نسب إليه من الانحراف عن علي، ونعيم بن حماد إمام جليل، وكان سيفا على الجهمية، روى عنه البخاري في صحيحه. قالوا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تقرب من التواتر أنه قال

" ذرني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم "

وقد قدمنا إيضاح مرادهم بالاستدلال بالحديث. وقد ذكروا عن الصحابة والتابعين آثارا كثيرة في ذم الرأي والقياس، والتحذير من ذلك. وذلك كثير معروف عن الصحابة فمن بعدهم. وذكروا كثيرا من أقيسة الفقهاء التي يزعمون أنها باطلة، وعارضوها بأقيسة تماثلها في زعمهم. وذكروا أشياء كثيرة يزعمون أن الفقهاء فرقوا فيها بين المجتمع، وجمعوا فيها بين المفترق، إلى غير ذلك من أدلتهم الكثيرة على إبطال الرأي والقياس.

وقد ذكرنا في هذا الكلام جملا وافية من أدلتهم على ذلك بواسطة نقل العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين عن رب العالمين ولم نتتبع جميع أدلتهم لئلا يؤدي ذلك إلى الإطالة المملة. وقد رأيت فيما ذكرنا حجج القائلين بالقياس والاجتهاد فيما لا نص فيه، وحجج المانعين لذلك. المسألة السادسة اعلم أن تحقيق المقام في هذه المسألة التي وقع فيها من الاختلاف لما رأيت أن القياس قسمان قياس صحيح، وقياس فاسد. أما القياس الفاسد فهو الذي ترد عليه الأدلة التي ذكرها الظاهرية وتدل على بطلانه، ولا شك أنه باطل، وأنه ليس من الدين كما قالوا، وكما هو الحق. وأما القياس الصحيح فلا يرد عليه شيء من تلك الأدلة، ولا يناقض بعضه بعضا، ولا يناقض البتة نصا صحيحا من كتاب أو سنة. فكما لا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، فإنه لا تتناقض دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة، يصدق بعضها بعضا، ويشهد بعضها لبعض. فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبدا. وضابط القياس الصحيح هو أن تكون العلة التي علق الشارع بها الحكم وشرعه من أجلها موجودة بتمامها في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها فيه. وكذلك القياس المعروف ب " القياس في معنى الأصل " الذي هو الإلحاق بنفي الفارق المؤثر في الحكم. فمثل ذلك لا تأتي الشريعة بخلافه، ولا يعارض نصا، ولا يتعارض هو في نفسه. وسنضرب لك أمثلة من ذلك. تستدل بها على جهل الظاهرية القادح الفاضح، وقولهم على الله وعلى رسوله وعلى دينه أبطل الباطل، الذي لا يشك عاقل في بطلانه، وعظم ضرره على الدين. بدعوى أنهم واقفون مع النصوص، وأن كل ما لم يصرح بلفظه في كتاب أو سنة فهو معفو عنه، ولو صرح بعلة الحكم المشتملة على مقصود الشارع من حكمة التشريع، فأهدروا المصالح المقصودة من التشريع. وقالوا على الله ما يقتضي أنه يشرع المضار الظاهرة لخلقه. فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكر رضي الله عنه من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٠٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٠٩١