تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال " أرأيتم لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر "

وقد قدمناه مستوفى في سورة " التوبة ". ومنها قصة الذي ولدت امرأته غلاما أسود، وقد قدمنا ذلك مستوفى في سورة " بني إسرائيل ". ومنها حديث المستحاضة الذي قاس فيه النبي صلى الله عليه وسلم دم العرق الذي هو دم الاستحاضة على غيره من دماء العروق التي لا تكون حيضا. وكل ذلك يدل على أن إلحاق النظير بالنظير من الشرع، لا مخالف له كما يزعمه الظاهرية ومن تبعهم. المسألة الرابعة اعلم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجتهدون في مسائل الفقه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم، وبعد وفاته من غير نكير. وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى أمثلة كثيرة لذلك. فمن ذلك أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق وقال لم يرد منا تأخير العصر، وإنما أراد سرعة النهوض. فنظروا إلى المعنى. واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلا. وقد نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر.

وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس. ومنها أن عليا رضي الله عنه لما كان باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام. فقال كل منهم هو ابني. فأقرع بينهم، فجعل الولد للقارع وجعل عليه الرجلين الآخرين ثلثي الدية. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي رضي الله عنه. ومنها

" اجتهاد سعد بن معاذ رضي الله عنه في حكمه في بني قريظة، وقد صوبه النبي صلى الله عليه وسلم وقال " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات ".

ومنها

" اجتهاد الصحابيين اللذين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر. فصوبهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقال للذي لم يعد " أصبت السنة وأجزأتك صلاتك " ، وقال للآخر " لك الأجر مرتين ".

ومنها اجتهاد مجزز المدلجي بالقيافة، وقال إن أقدام زيد وأسامة بعضها من بعض، وقد سر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حتى برقت أسارير وجهه. وذلك دليل على صحة إلحاق ذلك القائف الفرع بالأصل، مع أن زيدا أبيض وأسامة أسود. فألحق هذا القائف الفرع بنظيره وأصله. وألغى وصف السواد والبياض الذي لا تأثير له في الحكم. ومنها اجتهاد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الكلالة قال أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد والولد فلما استخلف عمر قال إني لأستحيي من الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له ومن أغرب الأشياء عندي ما

" جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. من أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار له إلى معنى الكلالة إشارة واضحة جدا. ولم يفهمها عنه مع كمال فهمه وعلمه، وأن الوحي ينزل مطابقا لقوله مرارا. وذلك أنه رضي الله عنه قال ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر ما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري وقال " تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء " "

وهذا الإرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم واضح كل الوضوح في أنه يريد أن الكلالة هي ما عدا الولد والوالد. لأن آية الصيف المذكورة التي أخبره أنها تكفيه دلت على ذلك دلالة كافية واضحة فقوله تعالى فيها

إن امرؤ هلك ليس له ولد

النساء 176 صريح في أن الكلالة لا يكون فيها ولد. وقوله فيها

وله أخ أو أخت

النساء 12 يدل بالالتزام على أنها لا أب فيها، لأن الإخوة والأخوات لا يرثون مع الأب.

وذلك مما لا نزاع فيه. فظهر أن آية الصيف المذكورة تدل بكل وضوح على أن الكلالة ما عدا الولد والوالد، ولم يفهم عمر رضي الله عنه الإشارة النبوية المذكورة، فالكمال التام له جل وعلا وحده، سبحانه وتعالى علوا كبيرا. ومنها اجتهاد ابن مسعود رضي الله عنه في المرأة التي توفي زوجها ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها. فقال أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله لها كمهر نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدة. وقد شهد لابن مسعود بعض الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بنحو ذلك في بروع بنت واشق، ففرح بذلك. ومنها اجتهاد الصحابة في أن أبا بكر رضي الله عنه أولى من غيره بالإمامة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدمه على غيره في إمامة الصلاة. ومنها اجتهاد أبي بكر في العهد بالخلافة إلى عمر، سواء قلنا إنه من المصالح المرسلة، أو قلنا إنه قاس العهد بالولاية على العقد لها. ومن ذلك اجتهادهم في جمع المصحف بالكتابة. ومن ذلك اجتهادهم في الجد والإخوة، والمشتركة المعروفة بالحمارية واليمية. ومنها اجتهاد أبي بكر في التسوية بين الناس في العطاء، واجتهاد عمر في تفضيل بعضهم على بعض فيه. ومنها اجتهادهم فى جلد السكران ثمانين، قالوا إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فحدوه حد الفرية. وأمثال هذا كثيرة جدا. وهي تدل على أن اجتهاد الصحابة في مسائل الفقه متواتر معنى، فإن الوقائع منهم في ذلك وإن لم تتواتر آحادها فمجموعها يفيد العلم اليقيني لتواترها معنى، كما لا يخفى على من ذلك. ورسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى المتضمنة لذلك مشهورة. وقال ابن القيم في أعلام الموقعين وقال الشعبي عن شريح قال لي عمر اقض بما استبان لك من كتاب الله، فإن لم تعلم كل كتاب الله فاقض بما استبان لك من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح.. إلى أن قال وقايس علي بن أبي طالب رضي الله عنه زيد بن ثابت في المكاتب، وقايسه في الجد والإخوة، وقاس ابن عباس الأضراس بالأصابع وقال عقلها سواء، اعتبروها بها. قال المزني الفقهاء من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وهلم جرا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، وأجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها. قال أبو عمر بعد حكاية ذلك عنه ومن القياس المجمع عليه صيد ما عدا الكلب من الجوارح قياسا على الكلاب بقوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٠٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٠٨٢