المزمل 15-16 فأخبر سبحانه أنه أرسل موسى إلى فرعون، وأن فرعون عصى رسوله فأخذه أخذا وبيلا. فهكذا من عصى منكم محمدا صلى الله عليه وسلم. وهذا في القرآن كثير جدا فقد فتح لك بابه. فصل وأما قياس الدلالة فهو الجمع بين الأصل والفرع، بدليل العلة وملزومها، ومنه قوله تعالى
ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير
فصلت 39 فدل سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققوه وشاهدوه، على الإحياء الذي استبعدوه، وذلك قياس إحياء على إحياء، واعتبار الشيء فنظيره، والعلة الموجبة هي عموم قدرته سبحانه وكمال حكمته، وإحياء الأرض دليل العلة، ومنه قوله تعالى
يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون
الروم 19. فدل بالنظير على النظير، وقرب أحدهما من الآخر جدا بلفظ الإخراج، أي يخرجون من الأرض أحياء كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ومنه قوله تعالى
أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى
القيامة 36-40 فبين سبحانه كيفية الخلق واختلاف أحوال الماء في الرحم إلى أن صار منه الزوجان الذكر والأنثى، وذلك أمارة وجود صانع قادر على ما شاء، ونبه سبحانه عباده بما أحدثه في النطفة المهينة الحقيرة من الأطوار، وسوقها في مراتب الكمال، من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها، حتى صارت بشرا سويا في أحسن خلقة وتقويم، على أنه لا يحسن به أن يترك هذا البشر سدى مهملا معطلا. لا يأمره ولا ينهاه، ولا يقيمه في عبوديته، وقد ساقه في مراتب الكمال من حين كان نطفة إلى أن صار بشرا سويا، فكذلك يسوقه في مراتب كماله طبقا بعد طبق، وحالا بعد حال، إلى أن يصير جاره في داره يتمتع بأنواع النعيم، وينظر إلى وجهه، ويسمع كلامه إلى آخر كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، فإنه أطال في ذكر الأمثلة على النحو المذكور، ولم نذكر جميع كلامه خوفا من الإطالة المملة، وفيما ذكرنا من كلامه تنبيه على ما لم نذكره، وقد تكلم على قياس الشبه فقال فيه وأما قياس الشبه فلم يحكه الله سبحانه إلا عن المبطلين.
فمنه قوله تعالى إخبارا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لما وجدوا الصواع في رحل أخيهم.
إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل
يوسف 77 فلم يجمعوا بين الفرع والأصل بعلة ولا دليلها، وإنما ألحقوا بالآخر من غير دليل جامع سوى مجرد الشبه الجامع بينه وبين يوسف، فقالوا هذا مقيس على أخيه بينهما شبه من وجوه عديدة، وذلك قد سرق فكذلك هذا، وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ والقياس بالصورة المجردة عن العلة المقتضية للتساوي، وهو قياس فاسد، والتساوي في قرابة الإخوة ليس بعلة للتساوي في السرقة لو كان حقا ولا دليل على التساوي فيها فيكون الجمع لنوع شبه خال من العلة ودليلها. ثم ذكر رحمه الله لقياس الشبه الفاسد أمثلة أخرى في الآيات الدالة على أن الكفار كذبوا الرسل بقياس الشبه حيث شبهوهم بالبشر، وزعموا أن ذلك الشبه مانع من رسالتهم. كقوله تعالى عن الكفار أنهم قالوا
ما نراك إلا بشرا مثلنا
هود 27، وقوله تعالى عنهم
ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه
المؤمنون 33 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. فالمشابهة بين الرسل وغيرهم في كون الجميع بشرا لا تقتضي المساواة بينهم في انتفاء الرسالة عنهم جميعا، ولما قالوا للرسل
مآ أنتم إلا بشر مثلنا
يس 15 أجابوهم بقولهم
إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده
إبراهيم 11. وقياس الكفار الرسل على سائر البشر في عدم الرسالة قياس ظاهر البطلان. لأن الواقع من التخصيص والتفضيل، وجعل بعض البشر شريفا وبعضه دنيا وبعضه مرؤوسا وبعضه رئيسا وبعضه ملكا. وبعضه سوقا يبطل هذا القياس. كما أشار إليه جواب الرسل المذكور آنفا، يشير إليه قوله تعالى