فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم
التوبة 69 فدل هذا على أن حكمهم حكمهم، وأنهم ينالهم ما ينالهم، لأن حكم النظير حكم نظيره.
ثم قال
وخضتم كالذي خاضوا
التوبة 69. فقيل " الذي " صفة لمصدر محذوف، أي كالمخوض الذي خاضوا وقيل لموصوف محذوف. أي كخوض القوم الذي خاضوا وهو فاعل الخوض. وقيل " الذي " مصدرية ك " ما " أي كخوضهم. وقيل هي موضع الذين. والمقصود أنه سبحانه جمع بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض بالباطل. لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد بالباطل والتكلم به وهو الخوض، أو يقع بالعمل، بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق، فالأول البدع. والثاني اتباع الهوى، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء، وبهما كذبت الرسل وعصى الرب، ودخلت النار وحلت العقوبات. فالأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات، ولهذا كان السلف يقولون احذروا من الناس صنفين صاحب هوى فتنة هواه، وصابح دنيا أعجبته دنياه! وكانوا يقولون احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعملون الحق ويعملون بخلافه، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم. وفي صفة الإمام رحمه الله عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه! أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها. وهذه حال أئمة المتقين، الذين وصفهم الله تعالى في كتابه بقوله
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون
السجدة 24 فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين تدفع الشبهات، كما قال تعالى
وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
العصر 3، وقوله تعالى
واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار
ص 45. وفي بعض المراسيل " إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات. فقوله تعالى
فاستمتعتم بخلاقكم
التوبة 69 إشارة إلى اتباع الشهوات، وهوداء العصاة. وقوله
وخضتم كالذي خاضوا
التوبة 69 إشارة إلى الشبهات، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات، وكثيرا ما يجتمعان. فقل من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله. والمقصود أن الله أخبر أن في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله بخلاقهم، ويخوض كخوضهم، وأن لهم من الذم والوعيد كما للذين من قبلهم، ثم حضهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم فقال
ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
التوبة 70 فتأمل صحة هذا القياس وإفادته لما علق عليه من الحكم، وأن الأصل والفرع قد تساويا في المعنى الذي علق به العقاب وأكده كما تقدم بضرب من الأولى وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد، فإذا لم يتعذر على الله عقاب الأقوى منهم بذنبه فكيف يتعذر عليه عقاب من هو دونه. ومنه قوله تعالى
وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشآء كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين
الأنعام 133. فهذا قياس جلي، يقول سبحانه إن شئت أذهبتكم واستخلفت غيركم، كما أذهبت من قبلكم واستخلفتكم، بذكر أركان القياس ألأربعة علة الحكم وهي عموم مشيئته وكمالها، والحكم وهو إذهابه إياهم وإتيانه بغيرهم، والأصل وهو ما كان من قبل والفرع وهم المخاطبون، ومنه قوله تعالى
بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين
يونس 39 فأخبر أن من قبل المكذبين أصل يعتبر به، والفرع نفوسهم. فإذا ساووهم في المعنى ساووهم في العاقبة، ومنه قوله تعالى
إنآ أرسلنآ إليكم رسولا شاهدا عليكم كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا