فلا تقل لهمآ أف
الإسراء 23 فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف المنطوق به مع القطع بنفي الفارق، وكقوله تعالى
وأشهدوا ذوى عدل منكم
الطلاق 2 فشهادة أربعة عدول المسكوت عنها أولى بالحكم وهو القبول من المنطوق به وهو شهادة العدلين مع القطع بنفي الفارق. والثاني منها أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به أيضا، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعيا بل مظنونا ظنا قويا مزاحما لليقين. ومثاله نهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء. فالتضحية بالعمياء المسكوت عنها أولى بالحكم وهو المنع من التضحية بالعوراء المنطوق بها، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعيا بل مظنونا ظنا قويا. لأن علة النهي عن التضحية بالعوراء كونها ناقصة ذاتا وثمنا وقيمة، وهذا هو الظاهر. وعليه فالعمياء أنقص منها ذاتا وقيمة. وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن تكون علة النهي عن التضحية بالعوراء أن العور مظنة الهزال.
لأن العوراء ناقصة البصر، وناقصة البصر تكون ناقصة الرعي لأنها لا ترى إلا ما يقابل عينا واحدة، ونقص الرعي مظنة للهزال. وعلى هذا الوجه فالعمياء ليست كالعوراء. لأن العمياء يختار لها أحسن العلف. فيكون ذلك مظنة لسمنها. والثالث منها أن يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق به في الحكم مع القطع بنفي الفارق. كقوله تعالى
إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما
النساء 10 الآية. فإحراق أموال اليتامى وإغراقها المسكوت عنه مساو للأكل المنطوق به في الحكم الذي هو التحريم والوعيد بعذاب النار مع القطع بنفي الفارق. والرابع منها أن يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق به في الحكم أيضا إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنا قويا مزاحما لليقين، ومثاله الحديث الصحيح
" من أعتق شركا له في عبد... "
الحديث المتقدم في " الإسراء والكهف " فإن المسكوت عنه وهو عتق بعض الأمة مساو للمنطوق به وهو عتق بعض العبد في الحكم الذي هو سراية العتق المبينة في الحديث المتقدم مرارا. إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنا قويا، لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يناط بهما حكم من أحكام العتق. كما قدمناه مستوفى في سورة " مريم " وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن يكون الشارع نص على سراية العتق في خصوص العبد الذكر، مخصصا له بذلك الحكم دون الأنثى. لأن عتق الذكر تيرتب عليه من الآثار الشرعية ما لا يترتب على عتق الأنثى، كالجهاد والإمامة والقضاء. ونحو ذلك من المناصب المختصة بالذكور دون الإناث. وقد أكثرنا من أمثلة هذا النوع الذي هو الإلحاق بنفي الفارق في سورة " بني إسرائيل ". وأما النوع الثاني من أنواع الإلحاق فهو القياس المعروف في الأصول، وهو المعروف بقياس التمثيل. وسنعرفه هنا لغة واصطلاحا، ونذكر أقسامه، وما ذكره بعض أهل العلم من أمثلته في القرآن اعلم أن القياس في اللغة التقدير والتسوية. يقال قاس الثوب بالذراع، وقاس الجرح بالميل بالكسر وهو المرود إذا قدر عمقه به ولهذا سمي الميل مقياسا، ومن هذا المعنى قول البعيث بن بشر يصف جراحة أو شجة
إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت غثيثتها وازداد وهيا هزومها
فقوله " قاسها " يعني قدر عمقها بالميل. والآسي الطبيب، والنطاسي بكسر النون وفتحها الماهر بالطب والغثيثة بثائين مثلثتين مدة الجرح وقيحه، وما فيه من لحم ميت. والوهي التخرق والتشقق. والهزوم غمز الشيء باليد فيصير فيه حفرة كما يقع في الورم الشديد. وتعريف القياس المذكور في اصطلاح أهل الأصول كثرت فيه عبارات الأصوليين، مع مناقشات معروفة في تعريفاتهم له. واختار غير واحد منهم تعريفه بأنه حمل معلوم على معلوم.