تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه أو تكتب إلي فيه "

ا ه منه. وما أدري أوهم الحافظ ابن كثير فيما ذكر؟ أو هو يعتقد أن معنى " تبيينه " في الحديث أي تعلمه باجتهادك في استخراجه من المنصوص، فيرجع إلى معنى الحديث المذكور وعلى كل حال فالرواية المذكورة من طريق عبادة بن نسي عن ابن غنم عن معاذ فيها كذاب وهو محمد بن سعيد المذكور الذي قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة وصلبه. وقال أحمد بن صالح وضع أربعة آلاف حديث. فإذا علمت بهذا انحصار طرق الحديث المذكور الذي فيه أن معاذا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنه إن لم يجد المسألة في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله لعيه وسلم اجتهد فيها رأيه. وأقره النبي صلى الله لعيه وسلم على ذلك في الطريقتين المذكورتين علمت وجه تضعيف الحديث ممن ضعفه، وأنه يقول طريق عبادة بن نسي عن ابن غنم لم تسندوها ثابتة من وجه صحيح إليه.

والطرق الأخرى التي في المسند والسنن فيها الحارث بن أخي المغيرة وهو مجهول، والرواة فيها أيضا عن معاذ مجاهيل. فمن أين قلتم بصحتها؟ وقد قدمنا أن ابن كثير رحمه الله قال في مقدمة تفسيره إن الطريقة المذكورة في المسند والسنن بإسناد جيد. وقلنا لعله يرى أن الحرث المذكور ثقة، وقد وثقه ابن حبان، وأن أصحاب معاذ لا يعرف فيهم كذاب ولا متهم. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له ويؤيد ما ذكرنا عن مراد ابن كثير بجودة الإسناد ما قاله العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين، قال فيه وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصا عن الله ورسوله، فقال شعبة حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو،

" عن أناس من أصحاب معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال " كيف تصنع إن عرض لك قضاء "؟ قال أقضي بما في كتاب الله. قال " فإن لم يكن في كتاب الله "؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال " فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم "؟ قال أجتهد رأي، لا آلو. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله " "

هذا حديث إن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك. لأنه يدل على شهرة الحديث. وأن الذي حدث له الحرث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم ولو سمي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، ولا يعرف في أصحابه منهم ولا كذاب، ولا مجروح. بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث؟؟ وقال بعض أئمة الحديث إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به. قال أبو بكر الخطيب وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن غنم، عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة على أن أهل العلم قد نقلوه، واحتجوا به. فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا بذلك على صحة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم

" لا وصية لوارث "

وقوله في البحر

" هو الطهور ماؤه، الحل ميتته "

وقوله

" إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع "

، وقوله

" الدية على العاقلة "

. وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد ولكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها. فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له انتهى منه. وحديث عمرو بن العاص وأبي هريرة الثابت في الصحيحين شاهد له كما قدمنا، وله شواهد غير ذلك ستراها إن شاء الله تعالى. المسألة الثالثة اعلم أن الاجتهاد الذي دلت عليه نصوص الشرع أنواع متعددة منها الاجتهاد في تحقيق المناط، وقد قدمنا كثيرا من أمثلته في " الإسراء ". ومنها الاجتهاد في تنقيح المناط، ومن أنواعه السبر، والتقسيم، والإلحاق بنفي الفارق. واعلم أن الاجتهاد بإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به قسمان الأول الإلحاق بنفي الفارق، وهو قسم من تنقيح المناط كما ذكرناه آنفا. ويسمى عند الشافعي القياس في معنى الأصل، وهو بعينه مفهوم الموافقة. ويسمى أيضا القياس الجلي. والثاني من نوعي الإلحاق هو القياس المعروف بهذا الاسم في اصطلاح أهل الأصول. أما القسم الأول الذي هو الإلحاق بنفي الفارق فلا يحتاج فيه إلى وصف جامع بين الأصل والفرع وهو العلة. بل يقال فيه لم يوجد بين هذا المنطوق به وهذا المسكوت عنه فرق فيه يؤثر في الحكم البتة فهو مثله في الحكم. وأقسامه أربعة لأن المسكوت عنه إما أن يكون مساويا للمنطق به في الحكم، أو أولى به منه، وفي كل منهما إما أن يكون نفي الفارق بينهما مقطوعا به أو مظنونا. فالمجموع أربعة الأول منها أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به مع القطع بنفي الفارق كقوله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٠٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٠٧١