تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا

طه 125 فصرح بأن عماه هو العمى المقابل للبصر وهو بصر العين، لأن الكافر كان في الدنيا أعمى القلب كما دلت على ذلك آيات كثيرة من كتاب الله، وقد زاد جل وعلا في سورة " بني إسرائيل " أنه مع ذلك العمى يحشر أصم أبكم أيضا، وذلك في قوله تعالى

ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا

الإسراء 97. تنبيه في آية " طه " هذه وآية " الإسراء " المذكورتين إشكال معروف. وهو أن يقال إنهما قد دلتا على أن الكافر يحشر يوم القيامة أعمى، وزادت آية " الإسراء " أنه يحشر أبكم أصم أيضا، مع أنه دلت آيات من كتاب الله على أن الكفار يوم القيامة يبصرون ويسمعون ويتكلمون.

كقوله تعالى

أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا

مريم 38 الآية، وقوله تعالى

ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها

الكهف 53 الآية، وقوله تعالى

ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا

السجدة 12 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب. عن آيات الكتاب الجواب عن هذا الإشكال من ثلاثة أوجه الوجه الأول واستظهره أبو حيان أن المراد بما ذكر من العمى والصمم والبكم حقيقته. ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها، وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع. الوجه الثاني أنهم لا يرون شيئا يسرهم، ولا يسمعون كذلك، ولا ينطقون بحجة، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه. وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس وروي أيضا عن الحسن كما ذكره الألوسي وغيره. وعلى هذا القول فقد نزل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به. كما أوضحناه في غير هذا الموضع. ومن المعلوم أن العرب تطلق لا شيء على ما لا نفع فيه. ألا ترى أن الله يقول في المنافقين

صم بكم عمي

البقرة 18 الآية، مع أنه يقول فيهم

فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد

الأحزاب 19، ويقول فيهم

وإن يقولوا تسمع لقولهم

المنافقون 4 أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم. ويقول فيهم

ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم

البقرة 20 وما ذلك إلا لأن الكلام ونحوه الذي لا فائدة فيه كلا شيء فيصدق على صاحبه أنه أعمى وأصم وأبكم، ومن ذلك قول قعنب ابن أم صاحب

صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

وقول الآخر

أصم عن الأمر الذي لا أريده وأسمع خلق الله حين أريد

وقول الآخر

قل ما بدا لك من زور ومن كذب حلمي أصم وأذني غير صماء

ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب من إطلاق الصمم على السماع الذي لا فائدة فيه. وكذلك الكلام الذي لا فائدة فيه، والرؤية التي لا فائدة فيها. الوجه الثالث أن الله إذا قال لهم

اخسئوا فيها ولا تكلمون

المؤمنون 108 وقع بهم ذلك العمى والصمم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج قال تعالى

ووقع القول بما ظلموا فهم لا ينطقون

النمل 85 وعلى هذا القول تكون الأحوال الخمسة مقدرة أعني قوله في " طه " ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ طه 124، وقوله فيها

لم حشرتني أعمى

طه 125، وقوله في " الإسراء "

ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما

الإسراء 97، وأظهرها عندي الأول والله تعالى أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة

فنسيتها وكذلك اليوم تنسى

طه 126 من النسيان بمعنى الترك عمدا كما قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله

فنسي ولم نجد له عزما

طه 115.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٠٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٠٣٨