تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا كان وجه العذر ليس ببين فإن اطراح العذر خير من العذر

وأما على قول من قال إن الذين قالوا لموسى ﴿ مآ أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ هم الذين لم يعبدوا العجل. لأنهم وعدوه أن يتبعوه، ولما وقع ما وقع من عبادة أكثرهم للعجل تأخروا عن اتباع موسى بسبب ذلك، ولم يتجرؤوا على مفارقتهم خوفا من الفرقة فالعذر له وجه في الجملة، كما يشير إليه قوله تعالى في القصة في هذه السورة الكريمة

قال يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يابنأم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل ولم ترقب قولي

طه 92-94. والمصدر في قوله ﴿ بملكنا ﴾ مضاف إلى فاعله ومفعوله محذوف، أي بملكنا أمرنا. وقال القرطبي كأنه قال بمكلنا الصواب بل أخطأنا. فهو اعتراف منهم بالخطأ. وقال الزمخشري ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ الزمان، يريد مدة مفارقته لهم. تنبيه كل فعل مضارع في القرآن مجزوم ب " لم " إذا تقدمتها همزة استفهام. كقوله هنا ﴿ ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ﴾ فيه وجهان معروفان عند العلماء الأول أن مضارعته تنقلب ماضوية، ونفيه ينقلب إثباتا. فيصير قوله ﴿ ألم يعدكم ﴾ بمعنى وعدكم، وقوله

ألم نشرح لك صدرك

الشرح 1 بمعنى شرحنا، وقوله

ألم نجعل له عينين

البلد 6 جعلنا له عينين. وهكذا. ووجه انقلاب المضارعة ماضوية ظاهر، لأن " لم " حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي كما هو معروف. ووجه انقلاب النفي إثباتا أن الهمزة إنكارية، فهي مضمنة معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في " لم " فينفيه، ونفي النفي إثبات فيؤول إلى معنى الإثبات. الوجه الثاني أن الاستفهام في ذلك التقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول " بلى " وعليه فالمراد من قوله ﴿ ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ﴾ حملهم على أن يقروا بذلك فيقولوا بلى هكذا. ونظير هذا من كلام العرب قول جرير

ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح

فإذا عرفت أن قوله هنا ﴿ فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ﴾ إلى قوله ﴿ بملكنا ﴾ قد بين الله فيه أن موسى لما رجع إليهم في شدة غضب مما فعلوا وعاتبهم قال لهم في ذلك العتاب ﴿ ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد ﴾ الآية فاعلم أن بعض عتابه لهم لم يبينه هنا، وكذلك بعض فعله، ولكنه بينه في غير هذا الموضع. كقوله في " الأعراف " في القصة بعينها

ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم

الأعراف 150، وبين بعض ما فعل بقوله في " الأعراف "

وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه

الأعراف 150، وقد أشار إلى هنا في " طه " في قوله

قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي

طه 94. قوله تعالى ﴿ ولكنا حملنآ أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذآ إلهكم وإله موسى فنسي ﴾. قرأ هذا الحرف أبو عمرو وشعبة عن عاصم، وحمزة والكسائي ﴿ حملنا ﴾ بفتح الحاء والميم المخففة مبينا للفاعل مجردا. وقرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عصام " حملنا " بضم الحاء وكسر الميم المشددة مبينا للمفعول.

و " نا " على القراءة الأولى فاعل " حمل " وعلى الثانية نائب فاعل " حمل " بالتضعيف. والأوزار في قوله ﴿ أوزارا ﴾ قال بعض العلماء معناها الأثقال. وقال بعض العلماء معناها الآثام. ووجه القول الأول أنها أحمال من حلي القبط الذي استعاروه منهم. ووجه الثاني أنها آثام وتبعات. لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، ولأن الغنائم لم تكن تحل لهم. والتعليل الأخير أقوى. وقوله ﴿ من زينة القوم ﴾ المراد بالزينة الحلي، كما يوضحه قوله تعالى

واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٠٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٠٠٦