تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[المائدة: 68]، وقوله:

ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم

[المائدة: 66]، فإن إقامة الكتاب، العمل بما أمر الله به في الكتاب، ومن التصديق بما أخبر به على لسان الرسول.

وما كتبه الذين نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك، ليس هو مما أنزله الله على الرسول، ولا مما أمر به، ولا أخبر به، وقد يقع مثل هذا في الكتب المصنفة، يصنف الشخص كتابا فيذكر ناسخه، في آخره، عمر المصنف ونسبه وسنه، ونحو ذلك مما ليس هو من كلام المصنف، ولهذا أمر الصحابة والعلماء بتجريد القرآن، وألا يكتب في المصحف غير القرآن، فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس والتعشير ولا (آمين)، ولا غير ذلك.

والمصاحف القديمة والتي كتبها أهل العلم، على هذه الصفة، وفي المصاحف من قد كتب ناسخها أسماء السور والتخميس والتعشير والوقف والابتداء، وكتب في آخر المصحف تصديقه، ودعا وكتب اسمه ونحو ذلك، وليس هذا من القرآن، فهكذا ما في الإنجيل من الخبر عن صلب المسيح وتوفيه ومجيئه بعد رفعه إلى الحواريين، ليس هو مما قاله المسيح، وإنما هو مما رآه من بعده، والذي أنزله الله هو ما سمع من المسيح المبلغ عن الله، فإن قيل: فإذا كان الحواريون قد اعتقدوا أن المسيح صلب، وأنه أتاهم بعد أيام، وهم الذين نقلوا عن المسيح الإنجيل والدين، فقد دخلت الشبهة.

قيل: الحواريون وكل من نقل عن الأنبياء، إنما يجب أن يقبل منهم ما نقلوه عن الأنبياء، فإن الحجة في كلام الأنبياء، وما سوى ذلك فموقوف على الحجة، إن كان حقا قبل وإلا رد، ولهذا كان ما نقله الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن والحديث يجب قبوله، لا سيما المتواتر، كالقرآن وكثير من السنن. وأما ما قالوه، فما أجمعوا عليه فإجماعهم معصوم، وما تنازعوا فيه، رد إلى الله والرسول، وعمر قد كان أولا أنكر موت النبي صلى الله عليه وسلم، حتى رد ذلك عليه أبو بكر، وقد تنازعوا في دفنه حتى فصل أبو بكر بالحديث الذي رواه، وتنازعوا في تجهيز جيش أسامة، وتنازعوا في قتال مانعي الزكاة، فلم يكن هذا قادحا فيما نقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، والنصارى ليسوا متفقين على صلب المسيح، ولم يشهد أحد منهم صلبه فإن الذي صلب إنما صلبه اليهود، ولم يكن أحد من أصحاب المسيح حاضرا، وأولئك اليهود الذين صلبوه قد اشتبه عليهم المصلوب بالمسيح، وقد قيل إنهم عرفوا أنه ليس هو المسيح، ولكن هم كذبوا وشبهوا على الناس، والأول هو المشهور وعليه جمهور الناس، وحينئذ فليس عند النصارى خبر عمن يصدقونه بأنه صلب، ولكن عمدتهم على ذلك، الشخص الذي جاء الشيطان بعد أيام وقال، أنا المسيح، وذاك شيطان، وهم يعترفون بأن الشياطين كثيرا ما تجيء ويدعي (كذا) إنه نبي أو صالح، ويقول، أنا فلان النبي والصالح، ويكون شيطانا، وفي ذلك حكايات متعددة مثل حكاية الراهب الذي جاءه جاء وقال: أنا المسيح جئت لأهديك، فعرف أنه الشيطان، فقال: أنت قد بلغت الرسالة، ونحن نعمل بها، فإن جئت اليوم بشيء يخالف ذلك لم نقبل منك، فليس عند النصارى واليهود علم بأن المسيح صلب، كما قال تعالى:

وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن

[النساء: 157]، وأضاف الخبر عن قتله، إلى اليهود بقوله:

وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله

[النساء: 157]، فإنهم بهذا الكلام يستحقون العقوبة، إذ كانوا يعتقدون جواز قتل المسيح. ومن جوز قتله فهو كمن قتله، فهم في هذا القول كاذبون، وهم آثمون، وإذا قالوه فخرا لم يحصل لهم الفخر، لأنهم لم يقتلوه، وحصل الوزر لاستحلالهم ذلك وسعيهم فيه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

" " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " ، قالوا: يا رسول الله! فما بال المقتول؟ قال: " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " ".

محاسن التأويل · الصفحة ٧٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٥٥